تفسير القرطبي

سورة الانشقاق الآية ٢١

وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ ٱلْقُرْءَانُ لَا يَسْجُدُونَ ۩ ﴿٢١﴾
أَيْ لَا يُصَلُّونَ . وَفِي الصَّحِيح : أَنَّ أَبَا هُرَيْرَة قَرَأَ " إِذَا السَّمَاء انْشَقَّتْ " فَسَجَدَ فِيهَا , فَلَمَّا انْصَرَفَ أَخْبَرَهُمْ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَجَدَ فِيهَا . وَقَدْ قَالَ مَالِك : إِنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ عَزَائِم السُّجُود ; لِأَنَّ [ الْمَعْنَى ] لَا يُذْعِنُونَ وَلَا يُطِيعُونَ فِي الْعَمَل بِوَاجِبَاتِهِ . اِبْن الْعَرَبِيّ : وَالصَّحِيح أَنَّهَا مِنْهُ , وَهِيَ رِوَايَة الْمَدَنِيِّينَ عَنْهُ , وَقَدْ اعْتَضَدَ فِيهَا الْقُرْآن وَالسُّنَّة . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : لَمَّا أَمَمْت بِالنَّاسِ تَرَكْت قِرَاءَتهَا ; لِأَنِّي إِنْ سَجَدْت أَنْكَرُوهُ , وَإِنْ تَرَكْتهَا كَانَ تَقْصِيرًا مِنِّي , فَاجْتَنَبْتهَا إِلَّا إِذَا صَلَّيْت وَحْدِي . وَهَذَا تَحْقِيق وَعْد الصَّادِق بِأَنْ يَكُون الْمَعْرُوف مُنْكَرًا , وَالْمُنْكَر مَعْرُوفًا ; وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَائِشَة : ( لَوْلَا حِدْثَان قَوْمك بِالْكُفْرِ لَهَدَمْت الْبَيْت , وَلَرَدَدْته عَلَى قَوَاعِد إِبْرَاهِيم ) . وَلَقَدْ كَانَ شَيْخُنَا أَبُو بَكْر الْفِهْرِيّ يَرْفَع يَدَيْهِ عِنْد الرُّكُوع , وَعِنْد الرَّفْع مِنْهُ , وَهُوَ مَذْهَب مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَيَفْعَلهُ الشِّيعَة , فَحَضَرَ عِنْدِي يَوْمًا فِي مَحْرَس اِبْن الشَّوَّاء بِالثَّغْرِ - مَوْضِع تَدْرِيسِي - عِنْد صَلَاة الظُّهْر , وَدَخَلَ الْمَسْجِد مِنْ الْمَحْرَس الْمَذْكُور , فَتَقَدَّمَ إِلَى الصَّفّ وَأَنَا فِي مُؤَخَّره قَاعِدًا عَلَى طَاقَات الْبَحْر , أَتَنَسَّم الرِّيح مِنْ شِدَّة الْحَرّ , وَمَعِي فِي صَفّ وَاحِد أَبُو ثمنة رَئِيس الْبَحْر وَقَائِده , مَعَ نَفَر مِنْ أَصْحَابه يَنْتَظِر الصَّلَاة , وَيَتَطَلَّع عَلَى مَرَاكِب تَخْت الْمِينَاء , فَلَمَّا رَفَعَ الشَّيْخ يَدَيْهِ فِي الرُّكُوع وَفِي رَفْع الرَّأْس مِنْهُ قَالَ أَبُو ثمنة وَأَصْحَابه : أَلَا تَرَوْنَ إِلَى هَذَا الْمَشْرِقِيّ كَيْف دَخَلَ مَسْجِدنَا ؟ فَقُومُوا إِلَيْهِ فَاقْتُلُوهُ وَارْمُوا بِهِ إِلَى الْبَحْر , فَلَا يَرَاكُمْ أَحَد . فَطَارَ قَلْبِي مِنْ بَيْن جَوَانِحِي وَقُلْت : سُبْحَان اللَّه هَذَا الطُّرْطُوشِيّ فَقِيهِ الْوَقْت . فَقَالُوا لِي : وَلِمَ يَرْفَع يَدَيْهِ ؟ فَقُلْت : كَذَلِكَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَل , وَهَذَا مَذْهَب مَالِك , فِي رِوَايَة أَهْل الْمَدِينَة عَنْهُ . وَجَعَلْت أُسْكِنُهُمْ وَأُسْكِتُهُمْ حَتَّى فَرَغَ مِنْ صَلَاته , وَقُمْت مَعَهُ إِلَى الْمَسْكَن مِنْ الْمَحْرَس , وَرَأَى تَغَيُّرَ وَجْهِي , فَأَنْكَرَهُ , وَسَأَلَنِي فَأَعْلَمْته , فَضَحِكَ وَقَالَ : وَمِنْ أَيْنَ لِي أَنْ أُقْتَل عَلَى سُنَّة ؟ فَقُلْت لَهُ : وَلَا يَحِلّ لَك هَذَا , فَإِنَّك بَيْن قَوْم إِنْ قُمْت بِهَا قَامُوا عَلَيْك وَرُبَّمَا ذَهَبَ دَمُك . فَقَالَ : دَعْ هَذَا الْكَلَام , وَخُذْ فِي غَيْره .
وما لهم إذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون لله, ولا يسلمون بما جاء فيه؟
فأيُّ شيء يمنعهم من الإيمان بالله واليوم الآخر بعد ما وُضِّحت لهم الآيات؟ وما لهم إذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون لله، ولا يسلِّمُون بما جاء فيه؟ إنما سجية الذين كفروا التكذيب ومخالفة الحق. والله أعلم بما يكتمون في صدورهم من العناد مع علمهم بأن ما جاء به القرآن حق، فبشرهم -أيها الرسول- بأن الله- عز وجل- قد أعدَّ لهم عذابًا موجعًا، لكن الذين آمنوا بالله ورسوله وأدَّوْا ما فرضه الله عليهم، لهم أجر في الآخرة غير مقطوع ولا منقوص.
" و " مَا لَهُمْ " إِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمْ الْقُرْآن لَا يَسْجُدُونَ " يَخْضَعُونَ بِأَنْ يُؤْمِنُوا بِهِ لِإِعْجَازِهِ
وَمَا لَهُمْ إِذَا قُرِئَتْ عَلَيْهِمْ آيَات اللَّه وَكَلَامه وَهُوَ هَذَا الْقُرْآن لَا يَسْجُدُونَ إِعْظَامًا وَإِكْرَامًا وَاحْتِرَامًا ؟ .
وَقَوْله : { وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمْ الْقُرْآن لَا يَسْجُدُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمْ كِتَاب رَبّهمْ لَا يَخْضَعُونَ وَلَا يَسْتَكِينُونَ ; وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى السُّجُود قَبْل بِشَوَاهِدِهِ , فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَته .
مشاركة الموضوع