تفسير القرطبي

سورة المطففين الآية ٣٥

عَلَى ٱلْأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ ﴿٣٥﴾
وَهِيَ الْأَسِرَّة فِي الْحِجَال

أَيْ إِلَى مَا أَعَدَّ اللَّه لَهُمْ مِنْ الْكَرَامَات ; قَالَ عِكْرِمَة وَابْن عَبَّاس وَمُجَاهِد . وَقَالَ مُقَاتِل : يَنْظُرُونَ إِلَى أَهْل النَّار . وَعَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يَنْظُرُونَ إِلَى أَعْدَائِهِمْ فِي النَّار ) ذَكَرَهُ الْمَهْدَوِيّ . وَقِيلَ : عَلَى أَرَائِك أَفْضَاله يَنْظُرُونَ إِلَى وَجْهه وَجَلَاله .
على المجالس الفاخرة ينظر المؤمنون إلى ما أعطاهم الله من الكرامة والنعيم في الجنة, ومن أعظم ذلك النظر إلى وجه الله الكريم.
على المجالس الفاخرة ينظر المؤمنون إلى ما أعطاهم الله من الكرامة والنعيم في الجنة، ومن أعظم ذلك النظر إلى وجه الله الكريم. هل جوزي الكفار - إذ فُعل بهم ذلك- جزاءً وفاق ما كانوا يفعلونه في الدنيا من الشرور والآثام؟
" عَلَى الْأَرَائِك " فِي الْجَنَّة " يَنْظُرُونَ " مِنْ مَنَازِلهمْ إِلَى الْكُفَّار وَهُمْ يُعَذَّبُونَ فَيَضْحَكُونَ مِنْهُمْ كَمَا ضَحِكَ الْكُفَّار مِنْهُمْ فِي الدُّنْيَا
أَيْ إِلَى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ فِي مُقَابَلَة مَنْ زَعَمَ فِيهِمْ أَنَّهُمْ ضَالُّونَ وَلَيْسُوا بِضَالِّينَ بَلْ هُمْ مِنْ أَوْلِيَاء اللَّه الْمُقَرَّبِينَ يَنْظُرُونَ إِلَى رَبّهمْ فِي دَار كَرَامَته .
يَقُول : عَلَى سُرُرهمْ الَّتِي فِي الْحِجَال يَنْظُرُونَ إِلَيْهِمْ , وَهُمْ فِي الْجَنَّة , وَالْكُفَّار فِي النَّار يُعَذَّبُونَ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 28439 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثَنِي أَبِي , قَالَ : ثَنِي عَمِّي , قَالَ : ثَنِي أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { فَالْيَوْم الَّذِينَ آمَنُوا مِنْ الْكُفَّار يَضْحَكُونَ عَلَى الْأَرَائِك يَنْظُرُونَ } قَالَ : يَعْنِي السُّرُر الْمَرْفُوعَة عَلَيْهَا الْحِجَال . وَكَانَ اِبْن عَبَّاس يَقُول : إِنَّ السُّور الَّذِي بَيْن الْجَنَّة وَالنَّار يُفْتَح لَهُمْ فِيهِ أَبْوَاب , فَيَنْظُر الْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْل النَّار , وَالْمُؤْمِنُونَ عَلَى السُّرُر يَنْظُرُونَ كَيْف يُعَذَّبُونَ , فَيَضْحَكُونَ مِنْهُمْ , فَيَكُون ذَلِكَ مِمَّا أَقَرَّ اللَّه بِهِ أَعْيُنهمْ , كَيْف يَنْتَقِم اللَّه مِنْهُمْ . 28440 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { فَالْيَوْم الَّذِينَ آمَنُوا مِنْ الْكُفَّار يَضْحَكُونَ } ذُكِرَ لَنَا أَنَّ كَعْبًا كَانَ يَقُول : إِنَّ بَيْن الْجَنَّة وَالنَّار كُوًى , فَإِذَا أَرَادَ الْمُؤْمِن أَنْ يَنْظُر إِلَى عَدُوّ كَانَ لَهُ فِي الدُّنْيَا , اِطَّلَعَ مِنْ بَعْض الْكُوَى , قَالَ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاء الْجَحِيم } 37 55 أَيْ فِي وَسَط النَّار . وَذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ رَأَى جَمَاجِم الْقَوْم تَغْلِي . * - حَدَّثَنَا اِبْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا اِبْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , قَالَ كَعْب : إِنَّ بَيْن أَهْل الْجَنَّة وَبَيْن أَهْل النَّار كُوًى , لَا يَشَاء رَجُل مِنْ أَهْل الْجَنَّة أَنْ يَنْظُر إِلَى غَيْره مِنْ أَهْل النَّار إِلَّا فَعَلَ . * - حُدِّثْنَا عَنْ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : ثَنَا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { فَالْيَوْم الَّذِينَ آمَنُوا مِنْ الْكُفَّار يَضْحَكُونَ عَلَى الْأَرَائِك يَنْظُرُونَ } كَانَ اِبْن عَبَّاس يَقُول : السُّور بَيْن أَهْل الْجَنَّة وَالنَّار , فَيُفْتَح لِأَهْلِ الْجَنَّة أَبْوَاب , فَيَنْظُرُونَ وَهُمْ عَلَى السُّرُر إِلَى أَهْل النَّار كَيْف يُعَذَّبُونَ , فَيَضْحَكُونَ مِنْهُمْ , وَيَكُون ذَلِكَ مِمَّا يُقِرّ اللَّه بِهِ أَعْيُنهمْ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى عَدُوّهُمْ كَيْف يَنْتَقِم اللَّه مِنْهُمْ . 28441 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا مَهْرَان , عَنْ سُفْيَان { فَالْيَوْم الَّذِينَ آمَنُوا مِنْ الْكُفَّار يَنْظُرُونَ } قَالَ : يُجَاء بِالْكَفَّارِ , حَتَّى يَنْظُرُوا إِلَى أَهْل الْجَنَّة فِي الْجَنَّة , عَلَى سُرُر , فَحِين يَنْظُرُونَ إِلَيْهِمْ تُغْلَق دُونهمْ الْأَبْوَاب , وَيَضْحَك أَهْل الْجَنَّة مِنْهُمْ , فَهُوَ قَوْله : { فَالْيَوْم الَّذِينَ آمَنُوا مِنْ الْكُفَّار يَضْحَكُونَ عَلَى الْأَرَائِك يَنْظُرُونَ } .
مشاركة الموضوع