تفسير القرطبي

سورة المطففين الآية ٣٠

وَإِذَا مَرُّوا۟ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ ﴿٣٠﴾
عِنْد إِتْيَانهمْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ


يَغْمِز بَعْضهمْ بَعْضًا , وَيُشِيرُونَ بِأَعْيُنِهِمْ . وَقِيلَ : أَيْ يُعَيِّرُونَهُمْ بِالْإِسْلَامِ وَيَعِيبُونَهُمْ بِهِ يُقَال : غَمَزْت الشَّيْء بِيَدِي ; قَالَ : وَكُنْت إِذَا غَمَزْت قَنَاةَ قَوْمٍ كَسَرْت كُعُوبَهَا أَوْ تَسْتَقِيمَا وَقَالَتْ عَائِشَة : كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا سَجَدَ غَمَزَنِي , فَقَبَضْت رِجْلِي . الْحَدِيث ; وَقَدْ مَضَى فِي " النِّسَاء " . وَغَمَزْته بِعَيْنِي . وَقِيلَ : الْغَمْز : بِمَعْنَى الْعَيْب , يُقَال غَمَزَهُ : أَيْ عَابَهُ , وَمَا فِي فُلَان غَمْزَة أَيْ عَيْب . وَقَالَ مُقَاتِل : نَزَلَتْ فِي عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب جَاءَ فِي نَفَر مِنْ الْمُسْلِمِينَ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَزَهُمْ الْمُنَافِقُونَ , وَضَحِكُوا عَلَيْهِمْ وَتَغَامَزُوا .
وإذا مروا بهم يتغامزون سخرية بهم,
إن الذين أجرموا كانوا في الدنيا يستهزئون بالمؤمنين، وإذا مروا بهم يتغامزون سخرية بهم، وإذا رجع الذين أجرموا إلى أهلهم وذويهم تفكهوا معهم بالسخرية من المؤمنين. وإذا رأى هؤلاء الكفار أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، وقد اتبعوا الهدى قالوا: إن هؤلاء لتائهون في اتباعهم محمدًا صلى الله عليه وسلم، وما بُعث هؤلاء المجرمون رقباء على أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. فيوم القيامة يسخر الذين صدقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه من الكفار، كما سخر الكافرون منهم في الدنيا.
" وَإِذَا مَرُّوا " أَيْ الْمُؤْمِنُونَ " بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ " يُشِير الْمُجْرِمُونَ إِلَى الْمُؤْمِنِينَ بِالْجَفْنِ وَالْحَاجِب اِسْتِهْزَاء
وَإِذَا مَرُّوا بِالْمُؤْمِنِينَ يَتَغَامَزُونَ عَلَيْهِمْ أَيْ مُحْتَقَرِينَ لَهُمْ .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَكَانَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَجْرَمُوا إِذَا مَرَّ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ ; يَقُول : كَانَ بَعْضهمْ يَغْمِز بَعْضًا بِالْمُؤْمِنِ , اِسْتِهْزَاء بِهِ وَسُخْرِيَة .
مشاركة الموضوع