تفسير القرطبي

سورة التكوير الآية ٢٦

فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ ﴿٢٦﴾
قَالَ قَتَادَة : فَإِلَى أَيْنَ تَعْدِلُونَ عَنْ هَذَا الْقَوْل وَعَنْ طَاعَتِهِ . كَذَا رَوَى مَعْمَر عَنْ قَتَادَة ; أَيْ أَيْنَ تَذْهَبُونَ عَنْ كِتَابِي وَطَاعَتِي . وَقَالَ الزَّجَّاج : فَأَيّ طَرِيقَة تَسْلُكُونَ أَبَيْنَ مِنْ هَذِهِ الطَّرِيقَة الَّتِي بَيَّنْت لَكُمْ . وَيُقَال : أَيْنَ تَذْهَب ؟ وَإِلَى أَيْنَ تَذْهَب ؟ وَحَكَى الْفَرَّاء عَنْ الْعَرَب : ذَهَبْت الشَّام وَخَرَجْت الْعِرَاق وَانْطَلَقْت السُّوق : أَيْ إِلَيْهَا . قَالَ : سَمِعْنَاهُ فِي هَذِهِ الْأَحْرُف الثَّلَاثَة ; وَأَنْشَدَنِي بَعْض بَنِي عُقَيْل : تَصِيح بِنَا حَنِيفَة إِذْ رَأَتْنَا وَأَيّ الْأَرْض تَذْهَب بِالصِّيَاحِ يُرِيد إِلَى أَيّ أَرْض تَذْهَب , فَحَذَفَ إِلَى . وَقَالَ الْجُنَيْد : مَعْنَى الْآيَة مَقْرُون بِآيَةٍ أُخْرَى ; وَهِيَ قَوْله تَعَالَى : " وَإِنْ مِنْ شَيْء إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنه " [ الْحِجْر : 21 ] الْمَعْنَى : أَيّ طَرِيق تَسْلُكُونَ أَبَيْنَ مِنْ الطَّرِيق الَّذِي بَيَّنَهُ اللَّه لَكُمْ . وَهَذَا مَعْنَى قَوْل الزَّجَّاج .
فأين تذهب بكم عقولكم في التكذيب بالقرآن بعد هذه الحجج القاطعة؟
فأين تذهب بكم عقولكم في التكذيب بالقرآن بعد هذه الحجج القاطعة؟ ما هو إلا موعظة من الله لجميع الناس، لمن شاء منكم أن يستقيم على الحق والإيمان، وما تشاؤون الاستقامة، ولا تقدرون على ذلك، إلا بمشيئة الله رب الخلائق أجمعين.
" فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ " فَبِأَيِّ طَرِيق تَسْلُكُونَ فِي إِنْكَاركُمْ الْقُرْآن وَإِعْرَاضكُمْ عَنْهُ
أَيْ فَأَيْنَ تَذْهَب عُقُولكُمْ فِي تَكْذِيبكُمْ بِهَذَا الْقُرْآن مَعَ ظُهُوره وَوُضُوحه وَبَيَان كَوْنه حَقًّا مِنْ عِنْد اللَّه عَزَّ وَجَلَّ كَمَا قَالَ الصِّدِّيق رَضِيَ اللَّه عَنْهُ لِوَفْدِ بَنِي حَنِيفَة حِين قَدِمُوا مُسْلِمِينَ وَأَمَرَهُمْ فَتَلَوْا عَلَيْهِ شَيْئًا مِنْ قُرْآن مُسَيْلِمَة الْكَذَّاب الَّذِي هُوَ فِي غَايَة الْهَذَيَان وَالرَّكَاكَة فَقَالَ : وَيْحَكُمْ أَيْنَ تَذْهَب عُقُولكُمْ ؟ وَاَللَّه إِنَّ هَذَا الْكَلَام لَمْ يَخْرُج مِنْ إِلّ أَيْ مِنْ إِلَه وَقَالَ قَتَادَة " فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ " أَيْ عَنْ كِتَاب اللَّه وَعَنْ طَاعَته .
وَقَوْله : { فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ عَنْ هَذَا الْقُرْآن , وَتَعْدِلُونَ عَنْهُ ؟ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 28324 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ } يَقُول : فَأَيْنَ تَعْدِلُونَ عَنْ كِتَابِي وَطَاعَتِي . وَقِيلَ : { فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ } وَلَمْ يَقُلْ : فَإِلَى أَيْنَ تَذْهَبُونَ , كَمَا يُقَال : ذَهَبْت الشَّام , وَذَهَبْت السُّوق . وَحُكِيَ عَنْ الْعَرَب سَمَاعًا : اِنْطَلَقَ بِهِ الْغَوْر , عَلَى مَعْنَى إِلْغَاء الصِّفَة , وَقَدْ يُنْشَد لِبَعْضِ بَنِي عُقَيْل : تَصِحّ بِنَا حَنِيفَة إِذْ رَأَتْنَا وَأَيّ الْأَرْض تَذْهَب لِلصِّيَاحِ بِمَعْنَى : إِلَى أَيّ الْأَرْض تَذْهَب ؟ وَاسْتُجِيزَ إِلْغَاء الصِّفَة فِي ذَلِكَ لِلِاسْتِعْمَالِ .
مشاركة الموضوع