تفسير القرطبي

سورة عبس الآية ٣٢

مَّتَٰعًۭا لَّكُمْ وَلِأَنْعَٰمِكُمْ ﴿٣٢﴾
" مَتَاعًا لَكُمْ " نَصْب عَلَى الْمَصْدَر الْمُؤَكِّد , لِأَنَّ إِنْبَات هَذِهِ الْأَشْيَاء إِمْتَاع لِجَمِيعِ الْحَيَوَانَات . وَهَذَا ضَرْب مَثَل ضَرَبَهُ اللَّه تَعَالَى لِبَعْثِ الْمَوْتَى مِنْ قُبُورهمْ , كَنَبَاتِ الزَّرْع بَعْد دُثُوره , كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانه فِي غَيْر مَوْضِع . وَيَتَضَمَّن اِمْتِنَانًا عَلَيْهِمْ بِمَا أَنْعَمَ بِهِ , وَقَدْ مَضَى فِي غَيْر مَوْضِع أَيْضًا .
تنعمون بها أنتم وأنعامكم.
فليتدبر الإنسان: كيف خلق الله طعامه الذي هو قوام حياته؟ أنَّا صببنا الماء على الأرض صَبًّا، ثم شققناها بما أخرجنا منها من نبات شتى، فأنبتنا فيها حبًا، وعنبًا وعلفًا للدواب، وزيتونًا ونخلا وحدائق عظيمة الأشجار، وثمارًا وكلأ تَنْعَمون بها أنتم وأنعامكم.
" مَتَاعًا " مُتْعَة أَوْ تَمْتِيعًا كَمَا تَقَدَّمَ فِي السُّورَة قَبْلهَا " لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ " تَقَدَّمَ فِيهَا أَيْضًا
أَيْ عِيشَة لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ فِي هَذِهِ الدَّار إِلَى يَوْم الْقِيَامَة .
وَقَوْله : { مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ } يَقُول : أَنْبَتْنَا هَذِهِ الْأَشْيَاء الَّتِي يَأْكُلهَا بَنُو آدَم مَتَاعًا لَكُمْ أَيّهَا النَّاس , وَمَنْفَعَة تَتَمَتَّعُونَ بِهَا , وَتَنْتَفِعُونَ , وَاَلَّتِي يَأْكُلهَا الْأَنْعَام لِأَنْعَامِكُمْ , وَأَصْل الْأَنْعَام الْإِبِل , ثُمَّ تُسْتَعْمَل فِي كُلّ رَاعِيَة . وَبِاَلَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 28200 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , عَنْ الْحَسَن , فِي قَوْله : { مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ } قَالَ : مَتَاعًا لَكُمْ الْفَاكِهَة , وَلِأَنْعَامِكُمْ الْعُشْب .
مشاركة الموضوع