تفسير القرطبي

سورة عبس الآية ١٩

مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُۥ فَقَدَّرَهُۥ ﴿١٩﴾
" مِنْ نُطْفَة " أَيْ مِنْ مَاء يَسِير مَهِين جَمَاد " خَلَقَهُ " فَلَمْ يَغْلَط فِي نَفْسه ؟ ! قَالَ الْحَسَن : كَيْف يَتَكَبَّر مَنْ خَرَجَ مِنْ سَبِيل الْبَوْل مَرَّتَيْنِ . " فَقَدَّرَهُ " فِي بَطْن أُمّه . كَذَا رَوَى الضَّحَّاك عَنْ اِبْن عَبَّاس : أَيْ قَدَّرَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ وَعَيْنَيْهِ وَسَائِر آرَابِهِ , وَحَسَنًا وَدَمِيمًا , وَقَصِيرًا وَطَوِيلًا , وَشَقِيًّا وَسَعِيدًا . وَقِيلَ : " فَقَدَّرَهُ " أَيْ فَسَوَّاهُ كَمَا قَالَ : " أَكَفَرْت بِاَلَّذِي خَلَقَك مِنْ تُرَاب ثُمَّ مِنْ نُطْفَة ثُمَّ سَوَّاك رَجُلًا " . وَقَالَ : " الَّذِي خَلَقَك فَسَوَّاك " . وَقِيلَ : " فَقَدَّرَهُ " أَطْوَارًا أَيْ مِنْ حَال إِلَى حَال ; نُطْفَة ثُمَّ عَلَقَة , إِلَى أَنْ تَمَّ خَلْقه .
خلقه الله من ماء قليل- وهو المني- فقدره أطوارا,
لُعِنَ الإنسان الكافر وعُذِّب، ما أشدَّ كفره بربه!! ألم ير مِن أيِّ شيء خلقه الله أول مرة؟ خلقه الله من ماء قليل- وهو المَنِيُّ- فقدَّره أطوارا، ثم بين له طريق الخير والشر، ثم أماته فجعل له مكانًا يُقبر فيه، ثم إذا شاء سبحانه أحياه، وبعثه بعد موته للحساب والجزاء. ليس الأمر كما يقول الكافر ويفعل، فلم يُؤَدِّ ما أمره الله به من الإيمان والعمل بطاعته.
" مِنْ نُطْفَة خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ " عَلَقَة ثُمَّ مُضْغَة إِلَى آخِر خَلْقه
أَيْ قَدَّرَ أَجَله وَرِزْقه وَعَمَله وَشَقِيّ أَوْ سَعِيد .
ثُمَّ بَيَّنَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ الَّذِي مِنْهُ خَلَقَهُ , فَقَالَ { مِنْ نُطْفَة خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ } أَحْوَالًا : نُطْفَة تَارَة , ثُمَّ عَلَقَة أُخْرَى , ثُمَّ مُضْغَة , إِلَى أَنْ أَتَتْ عَلَيْهِ أَحْوَاله , وَهُوَ فِي رَحِم أُمّه .
مشاركة الموضوع