تفسير القرطبي

سورة عبس الآية ١٦

كِرَامٍۭ بَرَرَةٍۢ ﴿١٦﴾
" كَرَامٍ " أَيْ كَرَامٍ عَلَى رَبّهمْ ; قَالَهُ الْكَلْبِيّ . الْحَسَن : كَرَامٍ عَنْ الْمَعَاصِي , فَهُمْ يَرْفَعُونَ أَنْفُسهمْ عَنْهَا . وَرَوَى الضَّحَّاك عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي " كَرَامٍ " قَالَ : يَتَكَرَّمُونَ أَنْ يَكُونُوا مَعَ اِبْن آدَم إِذَا خَلَا بِزَوْجَتِهِ , أَوْ تَبَرَّزَ لِغَائِطِهِ . وَقِيلَ : أَيْ يُؤْثِرُونَ مَنَافِع غَيْرهمْ عَلَى مَنَافِع أَنْفُسِهِمْ . " بَرَرَة " جَمْع بَارّ مِثْل كَافِر وَكَفَرَة , وَسَاحِر وَسَحَرَة , وَفَاجِر وَفَجَرَة ; يُقَال : بَرّ وَبَارّ إِذَا كَانَ أَهْلًا لِلصِّدْقِ , وَمِنْهُ بَرَّ فُلَان فِي يَمِينه : أَيْ صَدَقَ , وَفُلَان يَبَرّ خَالِقه وَيَتَبَرَّره : أَيْ يُطِيعهُ ; فَمَعْنَى " بَرَرَة " مُطِيعُونَ لِلَّهِ , صَادِقُونَ لِلَّهِ فِي أَعْمَالهمْ . وَقَدْ مَضَى فِي سُورَة " الْوَاقِعَة " قَوْله تَعَالَى : " إِنَّهُ لَقُرْآن كَرِيم فِي كِتَاب مَكْنُون . لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ " [ الْوَاقِعَة : 77 - 79 ] أَنَّهُمْ الْكِرَام الْبَرَرَة فِي كِتَاب مَكْنُون . " لَا يَمَسّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ " [ الْوَاقِعَة : 79 ] أَنَّهُمْ الْكِرَام الْبَرَرَة فِي هَذِهِ السُّورَة .
كرام الخلق, أخلاقهم وأفعالهم بارة طاهرة.
وأمَّا من كان حريصا على لقائك، وهو يخشى الله من التقصير في الاسترشاد، فأنت عنه تتشاغل. ليس الأمر كما فعلت أيها الرسول، إن هذه السورة موعظة لك ولكل من شاء الاتعاظ. فمن شاء ذكر الله وَأْتَمَّ بوحيه. هذا الوحي، وهو القرآن في صحف معظمة، موقرة، عالية القدر مطهرة من الدنس والزيادة والنقص، بأيدي ملائكة كتبة، سفراء بين الله وخلقه، كرام الخلق، أخلاقهم وأفعالهم بارة طاهرة.
" كِرَام بَرَرَة " مُطِيعِينَ لِلَّهِ تَعَالَى وَهُمْ الْمَلَائِكَة
أَيْ خَلْقهمْ كَرِيم حَسَن شَرِيف وَأَخْلَاقهمْ وَأَفْعَالهمْ بَارَّة طَاهِرَة كَامِلَة وَمِنْ هَاهُنَا يَنْبَغِي لِحَامِلِ الْقُرْآن أَنْ يَكُون فِي أَفْعَاله وَأَقْوَاله عَلَى السَّدَاد وَالرَّشَاد . قَالَ الْإِمَام أَحْمَد حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل حَدَّثَنَا هِشَام عَنْ قَتَادَة عَنْ زُرَارَة بْن أَوْفَى عَنْ سَعْد بْن هِشَام عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا قَالَتْ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " الَّذِي يَقْرَأ الْقُرْآن وَهُوَ مَاهِر بِهِ مَعَ السَّفَرَة الْكِرَام الْبَرَرَة وَاَلَّذِي يَقْرَؤُهُ وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقّ لَهُ أَجْرَانِ " أَخْرَجَهُ الْجَمَاعَة مِنْ طَرِيق قَتَادَة بِهِ .
وَقَوْله : { كِرَام بَرَرَة } وَالْبَرَرَة : جَمْع بَارّ , كَمَا الْكَفَرَة جَمْع كَافِر , وَالسَّحَرَة جَمْع سَاحِر , غَيْر أَنَّ الْمَعْرُوف مِنْ كَلَام الْعَرَب إِذَا نَطَقُوا بِوَاحِدَةٍ أَنْ يَقُولُوا : رَجُل بَرّ , وَامْرَأَة بَرَّة , وَإِذَا جَمَعُوا رَدُّوهُ إِلَى جَمْع فَاعِل , كَمَا قَالُوا : رَجُل سَرِيّ , ثُمَّ قَالُوا فِي جَمْعه : قَوْم سَرَاة , وَكَأَنَّ الْقِيَاس فِي وَاحِده أَنْ يَكُون سَارِيًا . وَقَدْ حُكِيَ سَمَاعًا مِنْ بَعْض الْعَرَب : قَوْم خِيرَة بَرَرَة , وَوَاحِد الْخِيَرَة : خَيْر , وَالْبَرَرَة : بَرّ .
مشاركة الموضوع