تفسير القرطبي

سورة النازعات الآية ١٨

فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَىٰٓ أَن تَزَكَّىٰ ﴿١٨﴾
أَيْ تُسْلِم فَتَطْهُر مِنْ الذُّنُوب . وَرَوَى الضَّحَّاك عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : هَلْ لَك أَنْ تَشْهَد أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه . وَقَرَأَ نَافِع وَابْن كَثِير " تَزَّكَّى " بِتَشْدِيدِ الزَّاي , عَلَى إِدْغَام التَّاء فِي الزَّاي ; لِأَنَّ أَصْلَهَا تَتَزَكَّى . الْبَاقُونَ : " تَزَكَّى " بِتَخْفِيفِ الزَّاي عَلَى مَعْنَى طَرْح التَّاء . وَقَالَ أَبُو عَمْرو : " تَزَّكَّى " بِالتَّشْدِيدِ تَتَصَدَّق بِالصَّدَقَةِ , وَ " تَزَكَّى " يَكُون زَكِيًّا مُؤْمِنًا . وَإِنَّمَا دَعَا فِرْعَوْن لِيَكُونَ زَكِيًّا مُؤْمِنًا . قَالَ : فَلِهَذَا اِخْتَرْنَا التَّخْفِيف . وَقَالَ صَخْر بْن جُوَيْرِيَة : لَمَّا بَعَثَ اللَّه مُوسَى إِلَى فِرْعَوْن قَالَ لَهُ : " اِذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْن " إِلَى قَوْله " وَأَهْدِيك إِلَى رَبّك فَتَخْشَى " وَلَنْ يَفْعَل , فَقَالَ : يَا رَبّ , وَكَيْف أَذْهَب إِلَيْهِ وَقَدْ عَلِمْت أَنَّهُ لَا يَفْعَل ؟ فَأَوْحَى اللَّه إِلَيْهِ أَنْ اِمْضِ إِلَى مَا أَمَرْتُك بِهِ , فَإِنَّ فِي السَّمَاء اِثْنَيْ عَشَر أَلْف مَلَك يَطْلُبُونَ عِلْم الْقَدَر , فَلَمْ يَبْلُغُوهُ وَلَا يُدْرِكُوهُ .
فقل له: أتود أن تطهر نفسك من النقائص وتحليها بالإيمان,
حين ناداه ربه بالوادي المطهَّر المبارك "طوى"، فقال له: اذهب إلى فرعون، إنه قد أفرط في العصيان، فقل له: أتودُّ أن تطهِّر نفسك من النقائص وتحليها بالإيمان، وأُرشدك إلى طاعة ربك، فتخشاه وتتقيه؟
" فَقُلْ هَلْ لَك " أَدْعُوك " إِلَى أَنْ تَزَكَّى " وَفِي قِرَاءَة بِتَشْدِيدِ الزَّاي بِإِدْغَامِ التَّاء الثَّانِيَة فِي الْأَصْل فِيهَا : تَتَطَهَّر مِنْ الشِّرْك بِأَنْ تَشْهَد أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه
أَيْ قُلْ لَهُ هَلْ لَك أَنْ تُجِيب إِلَى طَرِيقَة وَمَسْلَك تُزَكَّى بِهِ وَتَسْلَم وَتُطِيع .
وَقَوْله : { فَقُلْ هَلْ لَك إِلَى أَنْ تَزَكَّى } يَقُول : فَقُلْ لَهُ : هَلْ لَك إِلَى أَنْ تَتَطَهَّر مِنْ دَنَس الْكُفْر , وَتُؤْمِن بِرَبِّك ؟ كَمَا : 28089 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { هَلْ لَك إِلَى أَنْ تَزَكَّى } قَالَ : إِلَى أَنْ تُسْلِم . قَالَ : وَالتَّزَكِّي فِي الْقُرْآن كُلّه : الْإِسْلَام ; وَقَرَأَ قَوْل اللَّه { وَذَلِكَ جَزَاء مَنْ تَزَكَّى } 20 76 . قَالَ : مَنْ أَسْلَمَ , وَقَرَأَ : { وَمَا يُدْرِيك لَعَلَّهُ يَزَّكَّى } 80 3 . قَالَ : يُسْلِم , وَقَرَأَ : { وَمَا عَلَيْك أَلَّا يَزَّكَّى } 80 47 . أَنْ لَا يُسْلِم . 28090 - حَدَّثَنِي سَعِيد بْن عَبْد اللَّه بْن عَبْد الْحَكَم , قَالَ : ثَنَا حَفْص بْن عُمَر الْعَدَنِيّ , عَنْ الْحَكِيم بْن أَبَان , عَنْ عِكْرِمَة , قَوْل مُوسَى لِفِرْعَوْن : { هَلْ لَك إِلَى أَنْ تَزَكَّى } هَلْ لَك إِلَى أَنْ تَقُول لَا إِلَه إِلَّا اللَّه . وَاخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة قَوْله : { تَزَكَّى } فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْمَدِينَة : " تَزَكَّى " بِتَشْدِيدِ الزَّاي , وَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْكُوفَة وَالْبَصْرَة : { إِلَى أَنْ تَزَكَّى } بِتَخْفِيفِ الزَّاي . وَكَانَ أَبُو عَمْرو يَقُول , فِيمَا ذُكِرَ عَنْهُ : " تَزَكَّى " بِتَشْدِيدِ الزَّاي , بِمَعْنَى : تَتَصَدَّق بِالزَّكَاةِ , فَتَقُول : تَتَزَكَّى , ثُمَّ تُدْغَم ; وَمُوسَى لَمْ يَدْعُ فِرْعَوْن إِلَى أَنْ يَتَصَدَّق وَهُوَ كَافِر , إِنَّمَا دَعَاهُ إِلَى الْإِسْلَام , فَقَالَ : تَزَكَّى : أَيْ تَكُون زَاكِيًا مُؤْمِنًا , وَالتَّخْفِيف فِي الزَّاي هُوَ أَفْصَح الْقِرَاءَتَيْنِ فِي الْعَرَبِيَّة .
مشاركة الموضوع