تفسير القرطبي

سورة النبأ الآية ٣٥

لَّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًۭا وَلَا كِذَّٰبًۭا ﴿٣٥﴾
" لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا " أَيْ فِي الْجَنَّة " لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا " اللَّغْو : الْبَاطِل , وَهُوَ مَا يُلْغَى مِنْ الْكَلَام وَيُطْرَح ; وَمِنْهُ الْحَدِيث : [ إِذَا قُلْت لِصَاحِبِك أَنْصِتْ يَوْم الْجُمْعَة وَالْإِمَام يَخْطُب فَقَدْ لَغَوْت ] وَذَلِكَ أَنَّ أَهْل الْجَنَّة إِذَا شَرِبُوا لَمْ تَتَغَيَّر عُقُولُهُمْ , وَلَمْ يَتَكَلَّمُوا بِلَغْوٍ ; بِخِلَافِ أَهْل الدُّنْيَا . " وَلَا كِذَّابًا " تَقَدَّمَ , أَيْ لَا يُكَذِّب بَعْضُهُمْ بَعْضًا , وَلَا يَسْمَعُونَ كَذِبًا . وَقَرَأَ الْكِسَائِيّ " كِذَابًا " بِالتَّخْفِيفِ مِنْ كَذَبْت كِذَابًا أَيْ لَا يَتَكَاذَبُونَ فِي الْجَنَّة . وَقِيلَ : هُمَا مَصْدَرَانِ لِلتَّكْذِيبِ , وَإِنَّمَا خَفَّفَهَا هَهُنَا لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مُقَيَّدَة بِفِعْلٍ يَصِير مَصْدَرًا لَهُ , وَشُدِّدَ قَوْله : " وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا " لِأَنَّ كَذَّبُوا يُقَيِّد الْمَصْدَر بِالْكِذَّابِ .
لا يسمعون في هذه الجنة باطلا من القول , ولا يكذب بعضهم بعضا.
إن للذين يخافون ربهم ويعملون صالحًا، فوزًا بدخولهم الجنة. إن لهم بساتين عظيمة وأعنابًا، ولهم زوجات حديثات السن، نواهد مستويات في سن واحدة، ولهم كأس مملوءة خمرًا. لا يسمعون في هذه الجنة باطلا من القول، ولا يكذب بعضهم بعضًا.
" لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا " أَيْ الْجَنَّة عِنْد شُرْب الْخَمْر وَغَيْرهَا مِنْ الْأَحْوَال " لَغْوًا " بَاطِلًا مِنْ الْقَوْل " وَلَا كِذَّابًا " بِالتَّخْفِيفِ , أَيْ : كَذِبًا , وَبِالتَّشْدِيدِ أَيْ تَكْذِيبًا مِنْ وَاحِد لِغَيْرِهِ بِخِلَافِ مَا يَقَع فِي الدُّنْيَا عِنْد شُرْب الْخَمْر
" كَقَوْلِهِ " لَا لَغْو فِيهَا وَلَا تَأْثِيم " أَيْ لَيْسَ فِيهَا كَلَام لَاغٍ عَارٍ عَنْ الْفَائِدَة وَلَا إِثْم كَذِب بَلْ هِيَ دَار السَّلَام وَكُلّ مَا فِيهَا سَالِم مِنْ النَّقْص .
وَقَوْله : { لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : لَا يَسْمَعُونَ فِي الْجَنَّة لَغْوًا , يَعْنِي بَاطِلًا مِنْ الْقَوْل , وَلَا كِذَّابًا , يَقُول : وَلَا مُكَاذَبَة , أَيْ لَا يُكَذِّب بَعْضهمْ بَعْضًا . وَقَرَأَتْ الْقُرَّاء فِي الْأَمْصَار بِتَشْدِيدِ الذَّال عَلَى مَا بَيَّنْت فِي قَوْله : { وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا } سِوَى الْكِسَائِيّ فَإِنَّهُ خَفَّفَهَا لِمَا وَصَفْت قَبْل , وَالتَّشْدِيد أَحَبّ إِلَيَّ مِنْ التَّخْفِيف , وَبِالتَّشْدِيدِ الْقِرَاءَة , وَلَا أَرَى قِرَاءَة ذَلِكَ بِالتَّخْفِيفِ لِإِجْمَاعِ الْحُجَّة مِنْ الْقُرَّاء عَلَى خِلَافه ; وَمِنْ التَّخْفِيف قَوْل الْأَعْشَى : فَصَدَقْتهَا وَكَذَبْتهَا وَالْمَرْء يَنْفَعهُ كِذَابه وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 27986 - حَدَّثَنَا اِبْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا اِبْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة { لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا } قَالَ : بَاطِلًا وَإِثْمًا . 27987 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا } قَالَ : وَهِيَ كَذَلِكَ لَيْسَ فِيهَا لَغْو وَلَا كِذَّاب .
مشاركة الموضوع