تفسير القرطبي

سورة المرسلات الآية ١٨

كَذَٰلِكَ نَفْعَلُ بِٱلْمُجْرِمِينَ ﴿١٨﴾
أَيْ مِثْل مَا فَعَلْنَاهُ بِمَنْ تَقَدَّمَ نَفْعَل بِمُشْرِكِي قُرَيْش إِمَّا بِالسَّيْفِ , وَإِمَّا بِالْهَلَاكِ . وَقَرَأَ الْعَامَّة " ثُمَّ نُتْبِعهُمْ " بِالرَّفْعِ عَلَى الِاسْتِئْنَاف , وَقَرَأَ الْأَعْرَج " نُتْبِعْهُمْ " بِالْجَزْمِ عَطْفًا عَلَى " نُهْلِك الْأَوَّلِينَ " كَمَا تَقُول : أَلَمْ تَزُرْنِي ثُمَّ أُكْرِمْك . وَالْمُرَاد أَنَّهُ أَهْلَكَ قَوْمًا بَعْد قَوْم عَلَى اِخْتِلَاف أَوْقَات الْمُرْسَلِينَ . ثُمَّ اِسْتَأْنَفَ بِقَوْلِهِ : " كَذَلِكَ نَفْعَل بِالْمُجْرِمِينَ " يُرِيد مَنْ يُهْلَك فِيمَا بَعْد . وَيَجُوز أَنْ يَكُون الْإِسْكَان تَخْفِيفًا مِنْ " نَتَّبِعهُمْ " لِتُوَالِي الْحَرَكَات . وَرُوِيَ عَنْهُ الْإِسْكَان لِلتَّخْفِيفِ . وَفِي قِرَاءَة اِبْن مَسْعُود " ثُمَّ سَنُتْبِعُهُمْ " وَالْكَاف مِنْ " كَذَلِكَ " فِي مَوْضِع نَصْب , أَيْ مِثْل ذَلِكَ الْهَلَاك نَفْعَلهُ بِكُلِّ مُشْرِك . ثُمَّ قِيلَ : مَعْنَاهُ التَّهْوِيل لِهَلَاكِهِمْ فِي الدُّنْيَا اِعْتِبَارًا . وَقِيلَ : هُوَ إِخْبَار بِعَذَابِهِمْ فِي الْآخِرَة .
مثل ذلك الإهلاك الفظيع نفعل بهؤلاء المجرمين من كفار " مكة " .
لتكذيهم الرسول صلى الله عليه وسلم.
ألم نهلك السابقين من الأمم الماضية؛ بتكذيبهم للرسل كقوم نوح وعاد وثمود؟ ثم نلحق بهم المتأخرين ممن كانوا مثلهم في التكذيب والعصيان. مِثل ذلك الإهلاك الفظيع نفعل بهؤلاء المجرمين من كفار "مكة"؛ لتكذيبهم الرسول صلى الله عليه وسلم.
"كَذَلِكَ" مِثْل مَا فَعَلْنَا بِالْمُكَذِّبِينَ "نَفْعَل بِالْمُجْرِمِينَ" بِكُلِّ مَنْ أَجْرَمَ فِيمَا يَسْتَقْبِل فَنُهْلِكهُمْ
ثُمَّ نُتْبِعهُمْ الْآخِرِينَ بَعْدهمْ , مِمَّنْ سَلَكَ سَبِيلهمْ فِي الْكُفْر بِي وَبِرَسُولِي , كَقَوْمِ إِبْرَاهِيم وَقَوْم لُوط , وَأَصْحَاب مَدْيَن , فَنُهْلِكهُمْ كَمَا أَهْلَكْنَا الْأَوَّلِينَ قَبْلهمْ .
مشاركة الموضوع