تفسير القرطبي

سورة المرسلات الآية ١١

وَإِذَا ٱلرُّسُلُ أُقِّتَتْ ﴿١١﴾
أَيْ جُمِعَتْ لِوَقْتِهَا لِيَوْمِ الْقِيَامَة , وَالْوَقْت الْأَجَل الَّذِي يَكُون عِنْده الشَّيْء الْمُؤَخَّر إِلَيْهِ ; فَالْمَعْنَى : جُعِلَ لَهَا وَقْت وَأَجَل لِلْفَصْلِ وَالْقَضَاء بَيْنهمْ وَبَيْن الْأُمَم ; كَمَا قَالَ تَعَالَى : " يَوْم يَجْمَع اللَّه الرُّسُل " [ الْمَائِدَة : 109 ] . وَقِيلَ : هَذَا فِي الدُّنْيَا أَيْ جُمِعَتْ الرُّسُل لِمِيقَاتِهَا الَّذِي ضُرِبَ لَهَا فِي إِنْزَال الْعَذَاب بِمَنْ كَذَّبَهُمْ بِأَنَّ الْكُفَّار مُمْهَلُونَ . وَإِنَّمَا تَزُول الشُّكُوك يَوْم الْقِيَامَة . وَالْأَوَّل أَحْسَن ; لِأَنَّ التَّوْقِيت مَعْنَاهُ شَيْء يَقَع يَوْم الْقِيَامَة , كَالطَّمْسِ وَنَسْف الْجِبَال وَتَشْقِيق السَّمَاء وَلَا يَلِيق بِهِ التَّأْقِيت قَبْل يَوْم الْقِيَامَة . قَالَ أَبُو عَلِيّ : أَيْ جَعَلَ يَوْم الدِّين وَالْفَصْل لَهَا وَقْتًا . وَقِيلَ : أُقِّتَتْ وُعِدَتْ وَأُجِّلَتْ . وَقِيلَ : " أُقِّتَتْ " أَيْ أُرْسِلَتْ لِأَوْقَاتٍ مَعْلُومَة عَلَى مَا عَلِمَهُ اللَّه وَأَرَادَ . وَالْهَمْزَة فِي " أُقِّتَتْ " بَدَل مِنْ الْوَاو ; قَالَهُ الْفَرَّاء وَالزَّجَّاج . قَالَ الْفَرَّاء : وَكُلّ وَاو ضُمَّتْ وَكَانَتْ ضَمَّتُهَا لَازِمَة جَازَ أَنْ يُبْدَل مِنْهَا هَمْزَة ; تَقُول : صَلَّى الْقَوْم أُحْدَانًا تُرِيد وُحْدَانًا , وَيَقُولُونَ هَذِهِ وُجُوه حِسَان وَ [ أُجُوه ] . وَهَذَا لِأَنَّ ضَمَّة الْوَاو ثَقِيلَة . وَلَمْ يَجُزْ الْبَدَل فِي قَوْله : " وَلَا تَنْسَوا الْفَضْل بَيْنكُمْ " [ الْبَقَرَة : 237 ] لِأَنَّ الضَّمَّة غَيْر لَازِمَة . وَقَرَأَ أَبُو عَمْرو وَحُمَيْد وَالْحَسَن وَنَصْر . وَعَنْ عَاصِم وَمُجَاهِد " وُقِّتَتْ " بِالْوَاوِ وَتَشْدِيد الْقَاف عَلَى الْأَصْل . وَقَالَ أَبُو عَمْرو : وَإِنَّمَا يَقْرَأ " أُقِّتَتْ " مَنْ قَالَ فِي وُجُوه أُجُوه . وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَر وَشَيْبَة وَالْأَعْرَج " وُقِتَتْ " بِالْوَاوِ وَتَخْفِيف الْقَاف . وَهُوَ فُعِلَتْ مِنْ الْوَقْت وَمِنْهُ " كِتَابًا مَوْقُوتًا " . وَعَنْ الْحَسَن أَيْضًا : " وَوُقِتَتْ " بِوَاوَيْنِ , وَهُوَ فُوعِلَتْ مِنْ الْوَقْت أَيْضًا مِثْل عُوهِدَتْ . وَلَوْ قُلِبَتْ الْوَاو فِي هَاتَيْنِ الْقِرَاءَتَيْنِ أَلِفًا لَجَازَ . وَقَرَأَ يَحْيَى وَأَيُّوب وَخَالِد بْن إِلْيَاس وَسَلَام " أُقِتَتْ " بِالْهَمْزَةِ وَالتَّخْفِيف ; لِأَنَّهَا مَكْتُوبَة فِي الْمُصْحَف بِالْأَلِفِ .
وإذا الرسل عين لهم وقت وأجل للفصل بينهم وبين الأمم,
فإذا النجوم طُمست وذهب ضياؤها، وإذا السماء تصدَّعت، وإذا الجبال تطايرت وتناثرت وصارت هباء تَذْروه الرياح، وإذا الرسل عُيِّن لهم وقت وأجل للفصل بينهم وبين الأمم، يقال: لأيِّ يوم عظيم أخِّرت الرسل؟ أخِّرت ليوم القضاء والفصل بين الخلائق. وما أعلمك -أيها الإنسان- أيُّ شيء هو يوم الفصل وشدته وهوله؟ هلاك عظيم في ذلك اليوم للمكذبين بهذا اليوم الموعود.
"وَإِذَا الرُّسُل أُقِّتَتْ" أُقِّتَتْ بِالْوَاوِ وَبِالْهَمْزَةِ بَدَلًا مِنْهَا أَيْ جُمِعَتْ لِوَقْتٍ
قَالَ الْعَوْفِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس جُمِعَتْ . وَقَالَ اِبْن زَيْد وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى " يَوْم يَجْمَع اللَّه الرُّسُل " وَقَالَ مُجَاهِد " أُقِّتَتْ " أُجِّلَتْ وَقَالَ الثَّوْرِيّ عَنْ مَنْصُور عَنْ إِبْرَاهِيم " أُقِّتَتْ " أُوعِدَتْ وَكَأَنَّهُ يَجْعَلهَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى " وَأَشْرَقَتْ الْأَرْض بِنُورِ رَبّهَا وَوُضِعَ الْكِتَاب وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاء وَقُضِيَ بَيْنهمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ " .
يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَإِذَا الرُّسُل أُجِّلَتْ لِلِاجْتِمَاعِ لِوَقْتِهَا يَوْم الْقِيَامَة . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 27839 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثَنِي أَبِي , قَالَ : ثَنِي عَمِّي , قَالَ : ثَنِي أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَإِذَا الرُّسُل أُقِّتَتْ } يَقُول : جُمِعَتْ . 27840 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْل اللَّه : { أُقِّتَتْ } قَالَ : أُجِّلَتْ . * - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا مَهْرَان , عَنْ سُفْيَان , قَالَ : قَالَ مُجَاهِد { وَإِذَا الرُّسُل أُقِّتَتْ } قَالَ : أُجِّلَتْ . 27841 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثَنَا وَكِيع ; وَحَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا مَهْرَان , جَمِيعًا عَنْ سُفْيَان , عَنْ مَنْصُور عَنْ إِبْرَاهِيم { وَإِذَا الرُّسُل أُقِّتَتْ } قَالَ : أُوعِدَتْ . 27842 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَإِذَا الرُّسُل أُقِّتَتْ } قَالَ : أُقِّتَتْ لِيَوْمِ الْقِيَامَة , وَقَرَأَ : { يَوْم يَجْمَع اللَّه الرُّسُل } 5 109 قَالَ : وَالْأَجَل : الْمِيقَات , وَقَرَأَ : { يَسْأَلُونَك عَنْ الْأَهِلَّة قُلْ هِيَ مَوَاقِيت لِلنَّاسِ وَالْحَجّ } , 2 189 وَقَرَأَ : { إِلَى مِيقَات يَوْم مَعْلُوم } 56 50 قَالَ : إِلَى يَوْم الْقِيَامَة , قَالَ : لَهُمْ أَجَل إِلَى ذَلِكَ الْيَوْم حَتَّى يَبْلُغُوهُ . 27843 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا جَرِير , عَنْ مَنْصُور , عَنْ إِبْرَاهِيم , فِي قَوْله : { وَإِذَا الرُّسُل أُقِّتَتْ } قَالَ : وُعِدَتْ . وَاخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة ذَلِكَ , فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْمَدِينَة غَيْر أَبِي جَعْفَر , وَعَامَّة قُرَّاء الْكُوفَة : { أُقِّتَتْ } بِالْأَلِفِ وَتَشْدِيد الْقَاف , وَقَرَأَهُ بَعْض قُرَّاء الْبَصْرَة بِالْوَاوِ وَتَشْدِيد الْقَاف : " وُقِّتَتْ " وَقَرَأَهُ أَبُو جَعْفَر : " وُقِتَتْ " بِالْوَاوِ وَتَخْفِيف الْقَاف . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَال : إِنَّ كُلّ ذَلِكَ قِرَاءَات مَعْرُوفَات وَلُغَات مَشْهُورَات بِمَعْنًى وَاحِد , فَبِأَيَّتِهَا قَرَأَ الْقَارِئ فَمُصِيب , وَإِنَّمَا هُوَ فُعِّلَتْ مِنْ الْوَقْت , غَيْر أَنَّ مِنْ الْعَرَب مَنْ يَسْتَثْقِل ضَمَّة الْوَاو , كَمَا يَسْتَثْقِل كَسْرَة الْيَاء فِي أَوَّل الْحَرْف فَيَهْمِزهَا , فَيَقُول : هَذِهِ أُجُوه حِسَان بِالْهَمْزَةِ , وَيُنْشِد بَعْضهمْ : يَحُل أَحِيدَه وَيُقَال بَعْل وَمِثْل تَمَوُّل مِنْهُ اِفْتِقَار
مشاركة الموضوع