تفسير القرطبي

سورة القيامة الآية ١٧

إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُۥ وَقُرْءَانَهُۥ ﴿١٧﴾
وَلَفْظ مُسْلِم عَنْ اِبْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَالِج مِنْ التَّنْزِيل شِدَّة , كَانَ يُحَرِّك شَفَتَيْهِ , فَقَالَ لِي اِبْن عَبَّاس : أَنَا أُحَرِّكهُمَا كَمَا كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحَرِّكهُمَا ; فَقَالَ سَعِيد : أَنَا أُحَرِّكهُمَا كَمَا كَانَ اِبْن عَبَّاس يُحَرِّكهُمَا , فَحَرَّكَ شَفَتَيْهِ ; فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : " لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَك لِتَعْجَلَ بِهِ . إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعه وَقُرْآنَهُ "

قَالَ جَمْعه فِي صَدْرك ثُمَّ تَقْرَؤُهُ
إن علينا جمعه في صدرك , ثم أن تقرأه بلسانك متى شئت.
لا تحرك -أيها النبي- بالقرآن لسانك حين نزول الوحي؛ لأجل أن تتعجل بحفظه، مخافة أن يتفلَّت منك. إن علينا جَمْعه في صدرك، ثم أن تقرأه بلسانك متى شئت. فإذا قرأه عليك رسولنا جبريل فاستمِعْ لقراءته وأنصت له، ثم اقرأه كما أقرأك إياه، ثم إن علينا توضيح ما أشكل عليك فهمه من معانيه وأحكامه.
"إنَّ عَلَيْنَا جَمْعه" فِي صَدْرك "وَقُرْآنه" قِرَاءَتك إيَّاهُ أَيْ جَرَيَانه عَلَى لِسَانك
أَيْ فِي صَدْرك وَقُرْآنه أَيْ أَنْ تَقْرَأهُ .
وَقَوْله : { إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعه وَقُرْآنه } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : إِنَّ عَلَيْنَا جَمْع هَذَا الْقُرْآن فِي صَدْرك يَا مُحَمَّد حَتَّى نُثَبِّتهُ فِيهِ { وَقُرْآنه } يَقُول : وَقُرْآنه حَتَّى تَقْرَأهُ بَعْد أَنْ جَمَعْنَاهُ فِي صَدْرك . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 27607- حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا مِهْرَان , عَنْ سُفْيَان , عَنْ مُوسَى بْن أَبِي عَائِشَة عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنِ ابْن عَبَّاس { إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعه } قَالَ : فِي صَدْرك { وَقُرْآنه } قَالَ : تَقْرَؤُهُ بَعْد . 27608 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْن عَبَّاس { إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعه وَقُرْآنه } أَنْ نَجْمَعهُ لَك , وَقُرْآنه : أَنْ نُقْرِئك فَلَا تَنْسَى 27609 -حُدِّثْت عَنِ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : ثنا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله { إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعه وَقُرْآنه } يَقُول : إِنَّ عَلَيْنَا أَنْ نَجْمَعهُ لَك حَتَّى نُثْبِتهُ فِي قَلْبك . وَكَانَ آخَرُونَ يَتَأَوَّلُونَ قَوْله : { وَقُرْآنه } وَتَأْلِيفه , وَكَانَ مَعْنَى الْكَلَام عِنْدهمْ : إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعه فِي قَلْبك حَتَّى تَحْفَظهُ , وَتَأْلِيفه . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 27610- حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعه وَقُرْآنه } يَقُول حِفْظه وَتَأْلِيفه. * - حَدَّثَنَا ابْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا ابْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة { إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعه وَقُرْآنه } قَالَ : حِفْظه وَتَأْلِيفه . وَكَانَ قَتَادَة وَجَّهَ مَعْنَى الْقُرْآن إِلَى أَنَّهُ مَصْدَر مِنْ قَوْل الْقَائِل : قَدْ قَرَأَتْ هَذِهِ النَّاقَة فِي بَطْنهَا جَنِينًا , إِذَا ضَمَّتْ رَحِمهَا عَلَى وَلَد , كَمَا قَالَ عَمْرو بْن كُلْثُوم : ذِرَاعَيْ عَيْطَل أَدْمَاء بِكْرٍ هِجَانِ اللَّوْن لَمْ تَقْرَأ جَنِينًا يَعْنِي بِقَوْلِهِ : " لَمْ تَقْرَأ " : لَمْ تَضُمّ رَحِمًا عَلَى وَلَد , وَأَمَّا ابْن عَبَّاس وَالضَّحَّاك فَإِنَّمَا وَجَّهَا ذَلِكَ إِلَى أَنَّهُ مَصْدَر مِنْ قَوْل الْقَائِل : قَرَأْت أَقْرَأ قُرْآنًا وَقِرَاءَة .
مشاركة الموضوع