تفسير القرطبي

سورة المدثر الآية ٥٣

كَلَّا ۖ بَل لَّا يَخَافُونَ ٱلْءَاخِرَةَ ﴿٥٣﴾
" كَلَّا " أَيْ لَيْسَ يَكُون ذَلِكَ . وَقِيلَ : حَقًّا . وَالْأَوَّل أَجْوَد ; لِأَنَّهُ رَدّ لِقَوْلِهِمْ .

" بَلْ لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ " أَيْ لَا أُعْطِيهِمْ مَا يَتَمَنَّوْنَ لِأَنَّهُمْ لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ , اِغْتِرَارًا بِالدُّنْيَا .

وَقَرَأَ سَعِيد بْن جُبَيْر " صُحْفًا مُنْشَرَة " بِسُكُونِ الْحَاء وَالنُّون , فَأَمَّا تَسْكِين الْحَاء فَتَخْفِيف , وَأَمَّا النُّون فَشَاذّ . إِنَّمَا يُقَال : نَشَّرْت الثَّوْبَ وَشِبْهه وَلَا يُقَال أَنْشَرْت . وَيَجُوز أَنْ يَكُونَ شَبَّهَ الصَّحِيفَةَ بِالْمَيِّتِ كَأَنَّهَا مَيِّتَة بِطَيِّهَا , فَإِذَا نُشِرَتْ حَيِيَتْ , فَجَاءَ عَلَى أَنْشَرَ اللَّه الْمَيِّتَ , كَمَا شُبِّهَ إِحْيَاء الْمَيِّت بِنَشْرِ الثَّوْب , فَقِيلَ فِيهِ نَشَرَ اللَّه الْمَيِّتَ , فَهِيَ لُغَة فِيهِ .
ليس الأمر كما زعموا, بل الحقيقة أنهم لا يخافون الآخرة, ولا يصدقون بالبعث والجزاء.
بل يطمع كل واحد من هؤلاء المشركين أن يُنزل الله عليه كتابًا من السماء منشورًا، كما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم. ليس الأمر كما زعموا، بل الحقيقة أنهم لا يخافون الآخرة، ولا يصدِّقون بالبعث والجزاء.
"كَلَّا" رَدْع عَمَّا أَرَادُوهُ "بَلْ لَا يَخَافُونَ الْآخِرَة" أَيْ عَذَابهَا
أَيْ إِنَّمَا أَفْسَدَهُمْ عَدَم إِيمَانهمْ بِهَا وَتَكْذِيبهمْ بِوُقُوعِهَا .
وَقَوْله : { كَلَّا بَلْ لَا يَخَافُونَ الْآخِرَة } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : مَا الْأَمْر كَمَا يَزْعُمُونَ مِنْ أَنَّهُمْ لَوْ أُوتُوا صُحُفًا مُنَشَّرَة صَدَقُوا , بَلْ لَا يَخَافُونَ الْآخِرَة , يَقُول : لَكِنَّهُمْ لَا يَخَافُونَ عِقَاب اللَّه , وَلَا يُصَدِّقُونَ بِالْبَعْثِ وَالثَّوَاب وَالْعِقَاب فَذَلِكَ الَّذِي دَعَاهُمْ إِلَى الْإِعْرَاض عَنْ تَذْكِرَة اللَّه , وَهَوَّنَ عَلَيْهِمْ تَرْك الِاسْتِمَاع لِوَحْيِهِ وَتَنْزِيله . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 27519 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة قَوْله : { كَلَّا بَلْ لَا يَخَافُونَ الْآخِرَة } إِنَّمَا أَفْسَدَهُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يُصَدِّقُونَ بِالْآخِرَةِ , وَلَا يَخَافُونَهَا هُوَ الَّذِي أَفْسَدَهُمْ .
مشاركة الموضوع