تفسير القرطبي

سورة المدثر الآية ١٦

كَلَّآ ۖ إِنَّهُۥ كَانَ لِءَايَٰتِنَا عَنِيدًۭا ﴿١٦﴾
" كَلَّا " أَيْ لَيْسَ يَكُون ذَلِكَ مَعَ كُفْره بِالنِّعَمِ .

وَ " كَلَّا " قَطْع لِلرَّجَاءِ عَمَّا كَانَ يَطْمَع فِيهِ مِنْ الزِّيَادَة ; فَيَكُون مُتَّصِلًا بِالْكَلَامِ الْأَوَّل .

وَقِيلَ : " كَلَّا " بِمَعْنَى حَقًّا وَيَكُون اِبْتِدَاء " إِنَّهُ " يَعْنِي الْوَلِيد " كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا " أَيْ مُعَانِدًا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا جَاءَ بِهِ ; يُقَال : عَانَدَ فَهُوَ عَنِيد مِثْل جَالِس فَهُوَ جَلِيس ; قَالَهُ مُجَاهِد .

وَعَنَدَ يَعْنِد بِالْكَسْرِ أَيْ خَالَفَ وَرَدَّ الْحَقَّ وَهُوَ يَعْرِفهُ فَهُوَ عَنِيد وَعَانِد . وَالْعَانِد : الْبَعِير الَّذِي يَحُور عَنْ الطَّرِيق وَيَعْدِل عَنْ الْقَصْد وَالْجَمْع عُنَّد مِثْل رَاكِع وَرُكَّع ; وَأَنْشَدَ أَبُو عُبَيْدَة قَوْل الْحَارِثِيّ : إِذَا رَكِبْت فَاجْعَلَانِي وَسَطًا إِنِّي كَبِير لَا أُطِيق الْعُنَّدَا

وَقَالَ أَبُو صَالِح : " عَنِيدًا " مَعْنَاهُ مُبَاعِدًا ; قَالَ الشَّاعِر : أَرَانَا عَلَى حَال تُفَرِّق بَيْنَنَا نَوًى غُرْبَة إِنَّ الْفِرَاقَ عَنُود قَتَادَة : جَاحِدًا . مُقَاتِل : مُعْرِضًا .

اِبْن عَبَّاس : جَحُودًا . وَقِيلَ : إِنَّهُ الْمُجَاهِر بِعُدْوَانِهِ .

وَعَنْ مُجَاهِد أَيْضًا قَالَ : مُجَانِبًا لِلْحَقِّ مُعَانِدًا لَهُ مُعْرِضًا عَنْهُ . وَالْمَعْنَى كُلّه مُتَقَارِب . وَالْعَرَب تَقُول : عَنَدَ الرَّجُل إِذَا عَتَا وَجَاوَزَ قَدْرَهُ . وَالْعَنُود مِنْ الْإِبِل : الَّذِي لَا يُخَالِط الْإِبِلَ , إِنَّمَا هُوَ فِي نَاحِيَة . وَرَجُل عَنُود إِذَا كَانَ يَحِلّ وَحْدَهُ لَا يُخَالِط النَّاسَ وَالْعَنِيد مِنْ التَّجَبُّر . وَعِرْق عَانِد : إِذَا لَمْ يَرْقَأ دَمه . كُلّ هَذَا قِيَاس وَاحِد وَقَدْ مَضَى فِي سُورَة " إِبْرَاهِيم " .

وَجَمْع الْعَنِيد عُنُد , مِثْل رَغِيف وَرُغُف .
ليس الأمر كما يزعم هذا الفاجر الأثيم, لا أزيده على ذلك.
إنه كان للقرآن وحجج الله على خلقه معاندا مكذبا,
دعني -أيها الرسول- أنا والذي خلقته في بطن أمه وحيدًا فريدًا لا مال له ولا ولد، وجعلت له مالا مبسوطًا واسعًا وأولادًا حضورًا معه في "مكة" لا يغيبون عنه، ويسَّرت له سبل العيش تيسيرًا، ثم يأمُل بعد هذا العطاء أن أزيد له في ماله وولده، وقد كفر بي. ليس الأمر كما يزعم هذا الفاجر الأثيم، لا أزيده على ذلك؛ إنه كان للقرآن وحجج الله على خلقه معاندًا مكذبًا، سأكلفه مشقة من العذاب والإرهاق لا راحة له منها. (والمراد به الوليد بن المغيرة المعاند للحق المبارز لله ولرسوله بالمحاربة، وهذا جزاء كلِّ من عاند الحق ونابذه).
"كَلَّا" لَا أَزِيدهُ عَلَى ذَلِكَ "إنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا" الْقُرْآن "عَنِيدًا" مُعَانِدًا
أَيْ مُعَانِدًا وَهُوَ الْكُفْر عَلَى نِعَمه بَعْد الْعِلْم .
يَقُول : لَيْسَ ذَلِكَ كَمَا يَأْمُل وَيَرْجُو مِنْ أَنْ أَزِيدهُ مَالًا وَوَلَدًا , وَتَمْهِيدًا فِي الدُّنْيَا .
يَقُول : إِنَّ هَذَا الَّذِي خَلَقْته وَحِيدًا كَانَ لِآيَاتِنَا , وَهِيَ حُجَج اللَّه عَلَى خَلْقه مِنَ الْكُتُب وَالرُّسُل عَنِيدًا , يَعْنِي مُعَانِدًا لِلْحَقِّ مُجَانِبًا لَهُ , كَالْبَعِيرِ الْعَنُود ; وَمِنْهُ قَوْل الْقَائِل : إِذَا نَزَلْت فَاجْعَلَانِي وَسَطَا إِنِّي كَبِير لَا أُطِيق الْعُنَّدَا وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 27429 - حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثنا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنِ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا } قَالَ : جَحُودًا. 27430 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا } قَالَ مُحَمَّد بْن عَمْرو : مُعَانِدًا لَهَا , وَقَالَ الْحَارِث : مُعَانِدًا عَنْهَا , مُجَانِبًا لَهَا . * - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا وَكِيع , عَنْ إِسْرَائِيل , عَنْ جَابِر , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله { عَنِيدًا } قَالَ : مُعَانِدًا لِلْحَقِّ مُجَانِبًا . 27431 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا } كَفُورًا بِآيَاتِ اللَّه جَحُودًا بِهَا . 27432 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا مِهْرَان , عَنْ سُفْيَان { لِآيَاتِنَا عَنِيدًا } قَالَ : مُشَاقًّا , وَقِيلَ : عَنِيدًا , وَهُوَ مِنْ عَانَدَ مُعَانَدَة فَهُوَ مُعَانِد , كَمَا قِيلَ : عَام قَابِل , وَإِنَّمَا هُوَ مُقْبِل .
مشاركة الموضوع