تفسير القرطبي

سورة المزمل الآية ٩

رَّبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَٱتَّخِذْهُ وَكِيلًۭا ﴿٩﴾
قَرَأَ أَهْل الْحَرَمَيْنِ وَابْن مُحَيْصِن وَمُجَاهِد وَأَبُو عَمْرو وَابْن أَبِي إِسْحَاق وَحَفْص " رَبُّ " بِالرَّفْعِ عَلَى الِابْتِدَاء وَالْخَبَر " لَا إِلَه إِلَّا هُوَ " . وَقِيلَ : عَلَى إِضْمَار " هُوَ " . الْبَاقُونَ " رَبِّ " بِالْخَفْضِ عَلَى نَعْت الرَّبّ تَعَالَى فِي قَوْله تَعَالَى : " وَاذْكُرْ اِسْم رَبّك " " رَبّ الْمَشْرِق " وَمَنْ عَلِمَ أَنَّهُ رَبّ الْمَشَارِق وَالْمَغَارِب اِنْقَطَعَ بِعَمَلِهِ وَأَمَله إِلَيْهِ .

أَيْ قَائِمًا بِأُمُورِك . وَقِيلَ : كَفِيلًا بِمَا وَعَدَك .
وتوكل عليه هو مالك المشرق والمغرب لا معبود بحق إلا هو, فاعتمد عليه, وفوض أمورك إليه.
واذكر -أيها النبي- اسم ربك، فادعه به، وانقطع إليه انقطاعًا تامًا في عبادتك، وتوكل عليه. هو مالك المشرق والمغرب لا معبود بحق إلا هو، فاعتمد عليه، وفوِّض أمورك إليه.
هُوَ "رَبّ الْمَشْرِق وَالْمَغْرِب لَا إلَه إلَّا هُوَ فَاِتَّخِذْهُ وَكِيلًا" مُوَكِّلًا لَهُ أُمُورك
أَيْ هُوَ الْمَالِك الْمُتَصَرِّف فِي الْمَشَارِق وَالْمَغَارِب لَا إِلَه إِلَّا هُوَ وَكَمَا أَفْرَدْته بِالْعِبَادَةِ فَأَفْرِدْهُ بِالتَّوَكُّلِ فَاِتَّخِذْهُ وَكِيلًا كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي الْآيَة الْأُخْرَى " فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ " وَكَقَوْلِهِ " إِيَّاكَ نَعْبُد وَإِيَّاكَ نَسْتَعِين " وَآيَات كَثِيرَة فِي هَذَا الْمَعْنَى فِيهَا الْأَمْر بِإِفْرَادِ الْعِبَادَة وَالطَّاعَة لِلَّهِ وَتَخْصِيصه بِالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ .
وَقَوْله : { رَبّ الْمَشْرِق وَالْمَغْرِب } اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة ذَلِكَ , فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْمَدِينَة بِالرَّفْعِ عَلَى الِابْتِدَاء , إِذْ كَانَ ابْتِدَاء آيَة بَعْد أُخْرَى تَامَّة , وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّة قُرَّاء الْكُوفَة بِالْخَفْضِ عَلَى وَجْه النَّعْت , وَالرَّدّ عَلَى الْهَاء الَّتِي فِي قَوْله { وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ } . وَالصَّوَاب مِنَ الْقَوْل فِي ذَلِكَ عِنْدنَا أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ قَدْ قَرَأَ بِكُلِّ وَاحِدَة مِنْهُمَا عُلَمَاء مِنَ الْقُرَّاء , فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئ فَمُصِيب , وَمَعْنَى الْكَلَام : رَبّ الْمَشْرِق وَالْمَغْرِب وَمَا بَيْنهمَا مِنْ الْعَالَم .


وَقَوْله : { لَا إِلَه إِلَّا هُوَ } يَقُول : لَا يَنْبَغِي أَنْ يُعْبَد إِلَه سِوَى اللَّه الَّذِي هُوَ رَبّ الْمَشْرِق وَالْمَغْرِب .

وَقَوْله : { فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا } فِيمَا يَأْمُرك وَفَوِّضْ إِلَيْهِ أَسْبَابك .
مشاركة الموضوع