تفسير القرطبي

سورة الجن الآية ٨

وَأَنَّا لَمَسْنَا ٱلسَّمَآءَ فَوَجَدْنَٰهَا مُلِئَتْ حَرَسًۭا شَدِيدًۭا وَشُهُبًۭا ﴿٨﴾
" وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاء " هَذَا مِنْ قَوْل الْجِنّ ; أَيْ طَلَبْنَا خَبَرَهَا كَمَا جَرَتْ عَادَتُنَا " فَوَجَدْنَاهَا " قَدْ " مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا " أَيْ حَفَظَة , يَعْنِي الْمَلَائِكَة . وَالْحَرَس : جَمْع حَارِس " وَشُهُبًا " جَمْع شِهَاب , وَهُوَ اِنْقِضَاض الْكَوَاكِب الْمُحْرِقَة لَهُمْ عَنْ اِسْتِرَاق السَّمْع . وَقَدْ مَضَى الْقَوْل فِيهِ فِي سُورَة " الْحِجْر " " وَالصَّافَّات " . " وَوَجَدَ " يَجُوز أَنْ يُقَدَّر مُتَعَدِّيًا إِلَى مَفْعُولَيْنِ , فَالْأَوَّل الْهَاء وَالْأَلِف , و " مُلِئَتْ " فِي مَوْضِع الْمَفْعُول الثَّانِي . وَيَجُوز أَنْ يَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُول وَاحِد وَيَكُون " مُلِئَتْ " فِي مَوْضِع الْحَال عَلَى إِضْمَار قَدْ . و " حَرَسًا " نُصِبَ عَلَى الْمَفْعُول الثَّانِي " بِمُلِئَتْ " . و " شَدِيدًا " مِنْ نَعْت الْحَرَس , أَيْ مُلِئَتْ مَلَائِكَة شِدَادًا . وَوَحَّدَ الشَّدِيد عَلَى لَفْظ الْحَرَس ; وَهُوَ كَمَا يُقَال : السَّلَف الصَّالِح بِمَعْنَى الصَّالِحِينَ , وَجَمْع السَّلَف أَسْلَاف وَجَمْع الْحَرَس أَحْرَاس ; قَالَ : ( تَجَاوَزْت أَحْرَاسًا وَأَهْوَال مَعْشَر ) وَيَجُوز أَنْ يَكُون " حَرَسًا " مَصْدَرًا عَلَى مَعْنَى حُرِسَتْ حِرَاسَة شَدِيدَة .
وأنا- معشر الجن- طلبنا بلوغ السماء, لاستماع كلام أهلها, فوجدناها ملئت بالملائكة الكثيرين الذين يحرسونها, وبالشهب المحرقة التي يرمى بها من يقترب منها.
وأنَّا- معشر الجن- طلبنا بلوغ السماء؛ لاستماع كلام أهلها، فوجدناها مُلئت بالملائكة الكثيرين الذين يحرسونها، وبالشهب المحرقة التي يُرمى بها مَن يقترب منها.
قَالَ الْجِنّ "وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاء" رُمْنَا اسْتِرَاق السَّمْع "فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا" مِنْ الْمَلَائِكَة "شَدِيدًا وَشُهُبًا" نُجُومًا مُحَرِّقَة وَذَلِكَ لَمَّا بَعَثَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
يُخْبِر تَعَالَى عَنْ الْجِنّ حِين بَعَثَ اللَّه رَسُوله مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْقُرْآن وَكَانَ مِنْ حِفْظه لَهُ أَنَّ السَّمَاء مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيد وَحُفِظَتْ مِنْ سَائِر أَرْجَائِهَا .
وَقَوْله : { وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاء } يَقُول عَزَّ وَجَلَّ مُخْبِرًا عَنْ قِيل هَؤُلَاءِ النَّفَر : وَأَنَّا طَلَبْنَا السَّمَاء وَأَرَدْنَاهَا , { فَوَجَدْنَاهَا } يَقُول : فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ { حَرَسًا شَدِيدًا } يَعْنِي حَفَظَة { وَشُهُبًا } وَهِيَ جَمْع شِهَاب , وَهِيَ النُّجُوم الَّتِي كَانَتْ تُرْجَم بِهَا الشَّيَاطِين . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 27198 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ مُغِيرَة , عَنْ زِيَاد , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , قَالَ : كَانَتِ الْجِنّ تَسْتَمِع , فَلَمَّا رُجِمُوا قَالُوا : إِنَّ هَذَا الَّذِي حَدَثَ فِي السَّمَاء لِشَيْءٍ حَدَثَ فِي الْأَرْض ; قَالَ : فَذَهَبُوا يَطْلُبُونَ حَتَّى رَأَوْا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَارِجًا مِنْ سُوق عُكَاظ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ الْفَجْر , فَذَهَبُوا إِلَى قَوْمهمْ مُنْذِرِينَ .
مشاركة الموضوع