تفسير القرطبي

سورة نوح الآية ١٥

أَلَمْ تَرَوْا۟ كَيْفَ خَلَقَ ٱللَّهُ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍۢ طِبَاقًۭا ﴿١٥﴾
ذَكَرَ لَهُمْ دَلِيلًا آخَر ; أَيْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ الَّذِي قَدَرَ عَلَى هَذَا , فَهُوَ الَّذِي يَجِب أَنْ يُعْبَدَ وَمَعْنَى " طِبَاقًا " بَعْضهَا فَوْقَ بَعْض , كُلّ سَمَاء مُطْبَقَة عَلَى الْأُخْرَى كَالْقِبَابِ ; قَالَهُ اِبْن عَبَّاس وَالسُّدِّيّ . وَقَالَ الْحَسَن : خَلَقَ اللَّه سَبْعَ سَمَوَات طِبَاقًا عَلَى سَبْع أَرَضِينَ , بَيْنَ كُلّ أَرْض وَأَرْض , وَسَمَاء وَسَمَاء خَلْق وَأَمْر . وَقَوْله : " أَلَمْ تَرَوْا " عَلَى جِهَة الْإِخْبَار لَا الْمُعَايَنَة ; كَمَا تَقُول : أَلَمْ تَرَنِي كَيْفَ صَنَعْت بِفُلَانٍ كَذَا . وَطِبَاقًا " نُصِبَ عَلَى أَنَّهُ مَصْدَر ; أَيْ مُطَابِقَة طِبَاقًا . أَوْ حَال بِمَعْنَى ذَات طِبَاق ; فَحَذَفَ ذَات وَأَقَامَ طِبَاقًا مَقَامَهُ .
وقد خلقكم في أطوار متدرجة: نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظاما ولحما؟
إن تتوبوا وتستغفروا يُنْزِلِ الله عليكم المطر غزيرًا متتابعًا، ويكثرْ أموالكم وأولادكم، ويجعلْ لكم حدائق تَنْعَمون بثمارها وجمالها، ويجعل لكم الأنهار التي تسقون منها زرعكم ومواشيكم. مالكم -أيها القوم- لا تخافون عظمة الله وسلطانه، وقد خلقكم في أطوار متدرجة: نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظامًا ولحمًا؟ ألم تنظروا كيف خلق الله سبع سموات متطابقة بعضها فوق بعض، وجعل القمر في هذه السموات نورًا، وجعل الشمس مصباحًا مضيئًا يستضيء به أهل الأرض؟
"أَلَمْ تَرَوْا" تَنْظُرُوا "كَيْفَ خَلَقَ اللَّه سَبْع سَمَوَات طِبَاقًا" بَعْضهَا فَوْق بَعْض
أَيْ وَاحِدَة فَوْق وَاحِدَة وَهَلْ هَذَا يُتَلَقَّى مِنْ جِهَة السَّمْع فَقَطْ ؟ أَوْ هُوَ مِنْ الْأُمُور الْمُدْرَكَة بِالْحِسِّ ؟ مِمَّا عُلِمَ مِنْ التَّسْيِير وَالْكُسُوفَات فَإِنَّ الْكَوَاكِب السَّبْعَة السَّيَّارَة يَكْسِف بَعْضهَا بَعْضًا فَأَدْنَاهَا الْقَمَر فِي السَّمَاء الدُّنْيَا وَهُوَ يَكْسِف مَا فَوْقه وَعُطَارِد فِي الثَّانِيَة وَالزُّهْرَة فِي الثَّالِثَة وَالشَّمْس فِي الرَّابِعَة وَالْمِرِّيخ فِي الْخَامِسَة وَالْمُشْتَرَى فِي السَّادِسَة وَزُحَل فِي السَّابِعَة وَأَمَّا بَقِيَّة الْكَوَاكِب وَهِيَ الثَّوَابِت فَفِي فَلَك ثَامِن يُسَمُّونَهُ فَلَك الثَّوَابِت وَالْمُتَشَرِّعُون مِنْهُمْ يَقُولُونَ هُوَ الْكُرْسِيّ وَالْفَلَك التَّاسِع وَهُوَ الْأَطْلَس وَالْأَثِير عِنْدهمْ الَّذِي حَرَكَتُهُ عَلَى خِلَاف حَرَكَة سَائِر الْأَفْلَاك وَذَلِكَ أَنَّ حَرَكَتَهُ مَبْدَأ الْحَرَكَات وَهِيَ مِنْ الْمَغْرِب إِلَى الْمَشْرِق وَسَائِر الْأَفْلَاك عَكْسه مِنْ الْمَشْرِق إِلَى الْمَغْرِب وَمَعَهَا يَدُور سَائِر الْكَوَاكِب تَبَعًا وَلَكِنْ لِلسَّيَّارَةِ حَرَكَة مُعَاكِسَة لِحَرَكَةِ أَفْلَاكهَا فَإِنَّهَا تَسِير مِنْ الْمَغْرِب إِلَى الْمَشْرِق وَكُلّ يَقْطَع فُلْكه بِحَسَبِهِ فَالْقَمَر يَقْطَع فُلْكه فِي كُلّ شَهْر مَرَّة وَالشَّمْس فِي كُلّ سَنَة مَرَّة وَزُحَل فِي كُلّ ثَلَاثِينَ سَنَة مَرَّة وَذَلِكَ بِحَسَبِ اِتِّسَاع أَفْلَاكهَا وَإِنْ كَانَتْ حَرَكَة الْجَمِيع فِي السُّرْعَة مُتَنَاسِبَة هَذَا مُلَخَّص مَا يَقُولُونَهُ فِي هَذَا الْمَقَام عَلَى اِخْتِلَاف بَيْنهمْ فِي مَوَاضِع كَثِيرَة لَسْنَا بِصَدَدِ بَيَانهَا .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّه سَبْع سَمَوَات طِبَاقًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره مُخْبِرًا عَنْ قِيل نُوح صَلَوَات اللَّه وَسَلَامه عَلَيْهِ لِقَوْمِهِ الْمُشْرِكِينَ بِرَبِّهِمْ , مُحْتَجًّا عَلَيْهِمْ بِحُجَجِ اللَّه فِي وَحْدَانِيّته : { أَلَمْ تَرَوْا } أَيّهَا الْقَوْم فَتَعْتَبِرُوا { كَيْفَ خَلَقَ اللَّه سَبْع سَمَوَات طِبَاقًا } بَعْضهَا فَوْق بَعْض ; وَالطِّبَاق : مَصْدَر مِنْ قَوْلهمْ : طَابَقْت مُطَابَقَة وَطِبَاقًا . وَإِنَّمَا عُنِيَ بِذَلِكَ : كَيْفَ خَلَقَ اللَّه سَبْع سَمَوَات , سَمَاء فَوْق سَمَاء مُطَابَقَة .
مشاركة الموضوع