تفسير القرطبي

سورة الأعراف الآية ١٩٦

إِنَّ وَلِۦِّىَ ٱللَّهُ ٱلَّذِى نَزَّلَ ٱلْكِتَٰبَ ۖ وَهُوَ يَتَوَلَّى ٱلصَّٰلِحِينَ ﴿١٩٦﴾
أَيْ الَّذِي يَتَوَلَّى نَصْرِي وَحِفْظِي اللَّه . وَوَلِيّ الشَّيْء : الَّذِي يَحْفَظُهُ وَيَمْنَع عَنْهُ الضَّرَر . وَالْكِتَاب : الْقُرْآن .


أَيْ يَحْفَظُهُمْ . وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ عَمْرو بْن الْعَاص قَالَ : سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جِهَارًا غَيْر مَرَّة يَقُول : " أَلَا إِنَّ آلَ أَبِي - يَعْنِي فُلَانًا - لَيْسُوا لِي بِأَوْلِيَاءَ إِنَّمَا وَلِيِّيَ اللَّه وَصَالِح الْمُؤْمِنِينَ " . وَقَالَ الْأَخْفَش : وَقُرِئَ " إِنَّ وَلِيَّ اللَّه الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَاب " يَعْنِي جِبْرِيل . النَّحَّاس . هِيَ قِرَاءَة عَاصِم الْجَحْدَرِيّ . وَالْقِرَاءَة الْأُولَى أَبَيْن ; لِقَوْلِهِ : " وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ " .
" إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ " الذي يتولاني, فيجلب لي المنافع ويدفع عني المضار.
" الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ " الذي فيه الهدى, والشفاء, والنور.
وهو من توليه وتربيته لعباده الخاصة الدينية.
" وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ " الذين صلحت نياتهم وأعمالهم, وأقوالهم, كما قال تعالى " اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ " .
فالمؤمنون الصالحون - لما تولوا ربهم بالإيمان والتقوى, ولم يتولوا غيره, ممن لا ينفع, ولا يضر - تولاهم اللّه, ولطف بهم, وأعانهم على ما فيه الخير والمصلحة, في دينهم, ودنياهم, ودفع عنهم - بإيمانهم - كل مكروه, كما قال تعالى " إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا " .
إن وليِّيَ الله، الذي يتولى حفظي ونصري، هو الذي نزَّل عليَّ القرآن بالحق، وهو يتولى الصالحين مِن عباده، وينصرهم على أعدائهم ولا يخذلهم.
"إنَّ وَلِيّ اللَّه" مُتَوَلِّي أُمُورِي "الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَاب" الْقُرْآن "وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ" بِحِفْظِهِ
" إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّه الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَاب وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ " أَيْ اللَّه حَسْبِي وَكَافِينِي وَهُوَ نَصِيرِي وَعَلَيْهِ مُتَّكَلِي وَإِلَيْهِ أَلْجَأ وَهُوَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَهُوَ وَلِيّ كُلّ صَالِح بَعْدِي وَهَذَا كَمَا قَالَ هُود عَلَيْهِ السَّلَام لَمَّا قَالَ لَهُ قَوْمه " إِنْ نَقُول إِلَّا اِعْتَرَاك بَعْض آلِهَتنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِد اللَّه وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيء مِمَّا تُشْرِكُونَ مِنْ دُونه فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِي إِنِّي تَوَكَّلْت عَلَى اللَّه رَبِّي وَرَبّكُمْ مَا مِنْ دَابَّة إِلَّا هُوَ آخِذ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاط مُسْتَقِيم " وَكَقَوْلِ الْخَلِيل " أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ الْأَقْدَمُونَ فَإِنَّهُمْ عَدُوّ لِي إِلَّا رَبّ الْعَالَمِينَ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِي" الْآيَات وَكَقَوْلِهِ لِأَبِيهِ وَقَوْمه " إِنَّنِي بَرَاء مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِي وَجَعَلَهَا كَلِمَة بَاقِيَة فِي عَقِبه لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ " .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّه الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَاب وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُلْ يَا مُحَمَّد لِلْمُشْرِكِينَ مِنْ عَبَدَة الْأَوْثَان : إِنَّ وَلِيِّيَ نَصِيرِي وَمُعِينِي وَظَهِيرِي عَلَيْكُمْ اللَّه الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَاب عَلَيَّ بِالْحَقِّ , وَهُوَ الَّذِي يَتَوَلَّى مَنْ صَلُحَ عَمَله بِطَاعَتِهِ مِنْ خَلْقه.
مشاركة الموضوع