تفسير القرطبي

سورة الأعراف الآية ١٨٩

۞ هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍۢ وَٰحِدَةٍۢ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا ۖ فَلَمَّا تَغَشَّىٰهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًۭا فَمَرَّتْ بِهِۦ ۖ فَلَمَّآ أَثْقَلَت دَّعَوَا ٱللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ ءَاتَيْتَنَا صَٰلِحًۭا لَّنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّٰكِرِينَ ﴿١٨٩﴾
قَالَ جُمْهُور الْمُفَسِّرِينَ : الْمُرَاد بِالنَّفْسِ الْوَاحِدَة آدَم .


يَعْنِي حَوَّاء .


لِيَأْنَس بِهَا وَيَطْمَئِنّ , وَكَانَ هَذَا كُلّه فِي الْجَنَّة .


ثُمَّ اِبْتَدَأَ بِحَالَةٍ أُخْرَى هِيَ فِي الدُّنْيَا بَعْد هُبُوطهمَا فَقَالَ : " فَلَمَّا تَغَشَّاهَا " كِنَايَة عَنْ الْوِقَاع .


كُلّ مَا كَانَ فِي بَطْن أَوْ عَلَى رَأْس شَجَرَة فَهُوَ حَمْل بِالْفَتْحِ . وَإِذَا كَانَ عَلَى ظَهْر أَوْ عَلَى رَأْس فَهُوَ حِمْل بِالْكَسْرِ . وَقَدْ حَكَى يَعْقُوب فِي حِمْل النَّخْلَة الْكَسْر . وَقَالَ أَبُو سَعِيد السِّيرَافِيّ : يُقَال فِي حَمْل الْمَرْأَة حَمْل وَحِمْل , يُشَبَّه مَرَّة لِاسْتِبْطَانِهِ بِحَمْلِ الْمَرْأَة , وَمَرَّة لِبُرُوزِهِ وَظُهُوره بِحِمْلِ الدَّابَّة . وَالْحَمْل أَيْضًا مَصْدَر حَمَلَ عَلَيْهِ يَحْمِل حَمْلًا إِذَا صَالَ .



يَعْنِي الْمَنِيّ ; أَيْ اِسْتَمَرَّتْ بِذَلِكَ الْحَمْل الْخَفِيف . يَقُول : تَقُوم وَتَقْعُد وَتُقَلِّب , وَلَا تَكْتَرِث بِحَمْلِهِ إِلَى أَنْ ثَقُلَ ; عَنْ الْحَسَن وَمُجَاهِد وَغَيْرهمَا . وَقِيلَ : الْمَعْنَى فَاسْتَمَرَّ بِهَا الْحَمْل , فَهُوَ مِنْ الْمَقْلُوب ; كَمَا تَقُول : أَدْخَلْت الْقَلَنْسُوَة فِي رَأْسِي . وَقَرَأَ عَبْد اللَّه بْن عُمَر " فَمَارَتْ بِهِ " بِأَلِفٍ وَالتَّخْفِيف ; مِنْ مَارَ يَمُور إِذَا ذَهَبَ وَجَاءَ وَتَصَرَّفَ . وَقَرَأَ اِبْن عَبَّاس وَيَحْيَى بْن يَعْمَر " فَمَرَتْ بِهِ " خَفِيفَة مِنْ الْمِرْيَة , أَيْ شَكَّتْ فِيمَا أَصَابَهَا ; هَلْ هُوَ حَمْل أَوْ مَرَض , أَوْ نَحْو ذَلِكَ .


صَارَتْ ذَات ثِقْل ; كَمَا تَقُول : أَثْمَرَ النَّخْل . وَقِيلَ : دَخَلَتْ فِي الثِّقْل ; كَمَا تَقُول : أَصْبَحَ وَأَمْسَى .



الضَّمِير فِي " دَعَوَا " عَائِد عَلَى آدَم وَحَوَّاء . وَعَلَى هَذَا الْقَوْل مَا رُوِيَ فِي قَصَص هَذِهِ الْآيَة أَنَّ حَوَّاء لَمَّا حَمَلَتْ أَوَّل حَمْل لَمْ تَدْرِ مَا هُوَ . وَهَذَا يُقَوِّي قِرَاءَة مَنْ قَرَأَ " فَمَرَتْ بِهِ " بِالتَّخْفِيفِ . فَجَزِعَتْ بِذَلِكَ ; فَوَجَدَ إِبْلِيس السَّبِيل إِلَيْهَا . قَالَ الْكَلْبِيّ : إِنَّ إِبْلِيس أَتَى حَوَّاء فِي صُورَة رَجُل لَمَّا أَثْقَلَتْ فِي أَوَّل مَا حَمَلَتْ فَقَالَ : مَا هَذَا الَّذِي فِي بَطْنِك ؟ قَالَتْ : مَا أَدْرِي ! قَالَ : إِنِّي أَخَاف أَنْ يَكُون بَهِيمَة . فَقَالَتْ ذَلِكَ لِآدَم عَلَيْهِ السَّلَام . فَلَمْ يَزَالَا فِي هَمّ مِنْ ذَلِكَ . ثُمَّ عَادَ إِلَيْهَا فَقَالَ : هُوَ مِنْ اللَّه بِمَنْزِلَةٍ , فَإِنْ دَعَوْت اللَّه فَوَلَدْت إِنْسَانًا أَفَتُسَمِّينَهُ بِي ؟ قَالَتْ نَعَمْ . قَالَ : فَإِنِّي أَدْعُو اللَّه . فَأَتَاهَا وَقَدْ وَلَدَتْ فَقَالَ : سَمِّيهِ بِاسْمِي . فَقَالَتْ : وَمَا اِسْمك ؟ قَالَ : الْحَارِث - وَلَوْ سَمَّى لَهَا نَفْسَهُ لَعَرَفَتْهُ - فَسَمَّتْهُ عَبْد الْحَارِث . وَنَحْو هَذَا مَذْكُور مِنْ ضَعِيف الْحَدِيث , فِي التِّرْمِذِيّ وَغَيْره . وَفِي الْإِسْرَائِيلِيَّات كَثِير لَيْسَ لَهَا ثَبَات ; فَلَا يُعَوِّلُ عَلَيْهَا مَنْ لَهُ قَلْب , فَإِنَّ آدَم وَحَوَّاء عَلَيْهِمَا السَّلَام وَإِنْ غَرَّهُمَا بِاَللَّهِ الْغَرُور فَلَا يُلْدَغ الْمُؤْمِن مِنْ جُحْر مَرَّتَيْنِ , عَلَى أَنَّهُ قَدْ سُطِّرَ وَكُتِبَ . قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " خَدَعَهُمَا مَرَّتَيْنِ خَدَعَهُمَا فِي الْجَنَّة وَخَدَعَهُمَا فِي الْأَرْض " . وَعَضَّدَ هَذَا بِقِرَاءَةِ السُّلَمِيّ " أَتُشْرِكُونَ " بِالتَّاءِ .


يُرِيد وَلَدًا سَوِيًّا .
أي: " هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ " أيها الرجال والنساء, المنتشرون في الأرض على كثرتكم وتفرقكم.
" مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ " وهو: آدم أبو البشر صلى الله عليه وسلم.
" وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا " أي: خلق من آدم زوجته حواء " لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا " لأنها إذا كانت منه, حصل بينهما من المناسبة والموافقة, ما يقتضي سكون أحدهما إلى الآخر, فانقاد كل منها إلى صاحبه, بزمام الشهوة.
" فَلَمَّا تَغَشَّاهَا " أي تجللها مجامعا لها قدر الباري أن يوجد من تلك الشهوة, وذلك الجماع, النسل, وحينئذ " حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا " وذلك في ابتداء الحمل, لا تحس به الأنثى, ولا يثقلها.
" فَلَمَّا " استمرت و " أَثْقَلَتْ " به حين كبر في بطنها, فحينئذ صار في قلوبهما الشفقة على الولد, وعلى خروجه حيا, صحيحا, سالما لا آفة فيه.
لذلك " دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا " ولدا " صَالِحًا " أي: صالح الخلقة تامها, لا نقص فيه " لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ " .
هو الذي خلقكم -أيها الناس- من نفس واحدة، وهي آدم عليه السلام وخَلَق منها زوجها، وهي حواء؛ ليأنس بها ويطمئن، فلما جامعها -والمراد جنس الزوجين من ذرية آدم- حملت ماءً خفيفًا، فقامت به وقعدت وأتمت الحمل، فلما قَرُبت ولادتها وأثقلت دعا الزوجان ربهما: لئن أعطيتنا بشرًا سويًا صالحًا لنكونن ممن يشكرك على ما وهبت لنا من الولد الصالح.
"هُوَ" أَيْ اللَّه "الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْس وَاحِدَة" أَيْ آدَم "وَجَعَلَ" خَلَقَ "مِنْهَا زَوْجهَا" حَوَّاء "لِيَسْكُن إلَيْهَا" وَيَأْلَفهَا "فَلَمَّا تَغَشَّاهَا" جَامَعَهَا "حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا" هُوَ النُّطْفَة "فَمَرَّتْ بِهِ" ذَهَبَتْ وَجَاءَتْ لِخَفَّتِهِ "فَلَمَّا أَثْقَلَتْ" بِكِبَرِ الْوَلَد فِي بَطْنهَا وَأَشْفَقَا أَنْ يَكُون بَهِيمَة "دَعَوْا اللَّه رَبّهمَا لَئِنْ آتَيْتنَا" وَلَدًا "صَالِحًا" سَوِيًّا "لَنَكُونَنَّ مِنْ الشَّاكِرِينَ" لَك عَلَيْهِ
يُنَبِّه تَعَالَى عَلَى أَنَّهُ خَلَقَ جَمِيع النَّاس مِنْ آدَم عَلَيْهِ السَّلَام وَأَنَّهُ خَلَقَ مِنْهُ زَوْجَته حَوَّاء ثُمَّ اِنْتَشَرَ النَّاس مِنْهُمَا. كَمَا قَالَ تَعَالَى " يَا أَيّهَا النَّاس إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَر وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِل لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمكُمْ عِنْد اللَّه أَتْقَاكُمْ " وَقَالَ تَعَالَى " يَا أَيّهَا النَّاس اِتَّقُوا رَبّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْس وَاحِدَة وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجهَا " الْآيَة وَقَالَ فِي هَذِهِ الْآيَة الْكَرِيمَة" وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجهَا لِيَسْكُن إِلَيْهَا " أَيْ لِيَأْلَفهَا وَيَسْكُن بِهَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى " وَمِنْ آيَاته أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنكُمْ مَوَدَّة وَرَحْمَة " فَلَا أُلْفَة بَيْن رُوحَيْنِ أَعْظَم مِمَّا بَيْن الزَّوْجَيْنِ وَلِهَذَا ذَكَرَ تَعَالَى أَنَّ السَّاحِر رُبَّمَا تَوَصَّلَ بِكَيْدِهِ إِلَى التَّفْرِقَة بَيْن الْمَرْء وَزَوْجه " فَلَمَّا تَغَشَّاهَا " أَيْ وَطِئَهَا " حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا" وَذَلِكَ أَوَّل الْحَمْل لَا تَجِد الْمَرْأَة لَهُ أَلَمًا إِنَّمَا هِيَ النُّطْفَة ثُمَّ الْعَلَقَة ثُمَّ الْمُضْغَة وَقَوْله " فَمَرَّتْ بِهِ " قَالَ مُجَاهِد اِسْتَمَرَّتْ بِحَمْلِهِ وَرُوِيَ عَنْ الْحَسَن وَإِبْرَاهِيم النَّخَعِيّ وَالسُّدِّيّ نَحْوه وَقَالَ مَيْمُون بْن مِهْرَان عَنْ أَبِيهِ اِسْتَخَفَّتْهُ وَقَالَ أَيُّوب : سَأَلْت الْحَسَن عَنْ قَوْله " فَمَرَّتْ بِهِ " قَالَ : لَوْ كُنْت رَجُلًا عَرَبِيًّا لَعَرَفْت مَا هِيَ إِنَّمَا هِيَ فَاسْتَمَرَّتْ بِهِ وَقَالَ قَتَادَة" فَمَرَّتْ بِهِ " اِسْتَبَانَ حَمْلهَا وَقَالَ اِبْن جَرِير : مَعْنَاهُ اِسْتَمَرَّتْ بِالْمَاءِ قَامَتْ بِهِ وَقَعَدَتْ وَقَالَ الْعَوْفِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس : اِسْتَمَرَّتْ بِهِ فَشَكَّتْ أَحَمَلَتْ أَمْ لَا " فَلَمَّا أَثْقَلَتْ " أَيْ صَارَتْ ذَات ثِقَل بِحَمْلِهَا وَقَالَ السُّدِّيّ : كَبِرَ الْوَلَد فِي بَطْنهَا " دَعَوَا اللَّه رَبّهمَا لَئِنْ آتَيْتنَا صَالِحًا " أَيْ بَشَرًا سَوِيًّا . كَمَا قَالَ الضَّحَّاك عَنْ اِبْن عَبَّاس أَشْفَقَا أَنّ يَكُون بَهِيمَة وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو الْبَخْتَرِيّ وَأَبُو مَالِك : أَشْفَقَا أَنْ لَا يَكُون إِنْسَانًا. وَقَالَ الْحَسَن الْبَصْرِيّ لَئِنْ آتَيْتنَا غُلَامًا " لَنَكُونَنَّ مِنْ الشَّاكِرِينَ فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّه عَمَّا يُشْرِكُونَ " يَذْكُر الْمُفَسِّرُونَ هَاهُنَا آثَارًا وَأَحَادِيث سَأُورِدُهَا وَأُبَيِّن مَا فِيهَا ثُمَّ نُتْبِع ذَلِكَ بَيَان الصَّحِيح فِي ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّه وَبِهِ الثِّقَة . قَالَ الْإِمَام أَحْمَد فِي مُسْنَده : حَدَّثَنَا عَبْد الصَّمَد حَدَّثَنَا عُمَر بْن إِبْرَاهِيم حَدَّثَنَا قَتَادَة عَنْ الْحَسَن عَنْ سَمُرَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " لَمَّا وَلَدَتْ حَوَّاء طَافَ بِهَا إِبْلِيس وَكَانَ لَا يَعِيش لَهَا وَلَد فَقَالَ سَمِّيهِ عَبْد الْحَارِث فَإِنَّهُ يَعِيش فَسَمَّتْهُ عَبْد الْحَارِث فَعَاشَ وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ وَحْي الشَّيْطَان وَأَمْره" وَهَكَذَا رَوَاهُ اِبْن جَرِير عَنْ مُحَمَّد بْن بَشَّار عَنْ بُنْدَار عَنْ عَبْد الصَّمَد بْن عَبْد الْوَارِث بِهِ وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ فِي تَفْسِيره هَذِهِ الْآيَة عَنْ مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى عَنْ عَبْد الصَّمَد بِهِ وَقَالَ هَذَا حَدِيث حَسَن غَرِيب لَا نَعْرِفهُ إِلَّا مِنْ حَدِيث عُمَر بْن إِبْرَاهِيم وَرَوَاهُ بَعْضهمْ عَنْ عَبْد الصَّمَد وَلَمْ يَرْفَعهُ وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْرَكه مِنْ حَدِيث عَبْد الصَّمَد مَرْفُوعًا ثُمَّ قَالَ هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ وَرَوَاهُ الْإِمَام أَبُو مُحَمَّد بْن أَبِي حَاتِم فِي تَفْسِيره عَنْ أَبِي زُرْعَة الرَّازِيّ عَنْ هِلَال بْن فَيَّاض عَنْ عُمَر بْن إِبْرَاهِيم بِهِ مَرْفُوعًا وَكَذَا رَوَاهُ الْحَافِظ أَبُو بَكْر بْن مَرْدَوَيْهِ فِي تَفْسِيره مِنْ حَدِيث شَاذّ بْن فَيَّاض عَنْ عُمَر بْن إِبْرَاهِيم مَرْفُوعًا قُلْت وَشَاذّ هُوَ هِلَال وَشَاذّ لَقَبه وَالْغَرَض أَنَّ هَذَا الْحَدِيث مَعْلُول مِنْ ثَلَاثَة أَوْجُه" أَحَدهَا " أَنَّ عُمَر بْن إِبْرَاهِيم هَذَا هُوَ الْبَصْرِيّ وَقَدْ وَثَّقَهُ اِبْن مَعِين وَلَكِنْ قَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ لَا يُحْتَجّ بِهِ وَلَكِنْ رَوَاهُ اِبْن مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيث الْمُعْتَمِر عَنْ أَبِيهِ عَنْ الْحَسَن عَنْ سَمُرَة مَرْفُوعًا فَاَللَّه أَعْلَم. " الثَّانِي " أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ مِنْ قَوْل سَمُرَة نَفْسه لَيْسَ مَرْفُوعًا كَمَا قَالَ اِبْن جَرِير : حَدَّثَنَا اِبْن عَبْد الْأَعْلَى حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِر عَنْ أَبِيهِ حَدَّثَنَا بَكْر بْن عَبْد اللَّه بْن سُلَيْمَان التَّيْمِيّ عَنْ أَبِي الْعَلَاء بْن الشِّخِّيرِ عَنْ سَمُرَة بْن جُنْدُب قَالَ : سَمَّى آدَم اِبْنه عَبْد الْحَارِث . " الثَّالِث " أَنَّ الْحَسَن نَفْسه فَسَّرَ الْآيَة بِغَيْرِ هَذَا فَلَوْ كَانَ هَذَا عِنْده عَنْ سَمُرَة مَرْفُوعًا لَمَا عَدَلَ عَنْهُ . قَالَ اِبْن جَرِير : حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع حَدَّثَنَا سَهْل بْن يُوسُف عَنْ عَمْرو عَنْ الْحَسَن " جَعَلَا لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا" قَالَ كَانَ هَذَا فِي بَعْض أَهْل الْمِلَل وَلَمْ يَكُنْ بِآدَم وَحَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن ثَوْر عَنْ مَعْمَر قَالَ : قَالَ الْحَسَن عَنَى بِهَا ذُرِّيَّة آدَم وَمَنْ أَشْرَكَ مِنْهُمْ بَعْده يَعْنِي " جَعَلَا لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا " وَحَدَّثَنَا بِشْر حَدَّثَنَا يَزِيد حَدَّثَنَا سَعِيد عَنْ قَتَادَة قَالَ : كَانَ الْحَسَن يَقُول هُمْ الْيَهُود وَالنَّصَارَى رَزَقَهُمْ اللَّه أَوْلَادًا فَهَوَّدُوا وَنَصَّرُوا وَهَذِهِ أَسَانِيد صَحِيحَة عَنْ الْحَسَن رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّهُ فَسَّرَ الْآيَة بِذَلِكَ وَهُوَ مِنْ أَحْسَن التَّفَاسِير وَأَوْلَى مَا حُمِلَتْ عَلَيْهِ الْآيَة وَلَوْ كَانَ هَذَا الْحَدِيث عِنْده مَحْفُوظًا عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَا عَدَلَ عَنْهُ هُوَ وَلَا غَيْره وَلَا سِيَّمَا مَعَ تَقْوَاهُ لِلَّهِ وَوَرَعه فَهَذَا يَدُلّك عَلَى أَنَّهُ مَوْقُوف عَلَى الصَّحَابِيّ وَيَحْتَمِل أَنَّهُ تَلَقَّاهُ مِنْ بَعْض أَهْل الْكِتَاب مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ مِثْل كَعْب أَوْ وَهْب بْن مُنَبِّه وَغَيْرِهِمَا كَمَا سَيَأْتِي بَيَانه إِنْ شَاءَ اللَّه إِلَّا أَنَّنَا بَرِئْنَا مِنْ عُهْدَة الْمَرْفُوع وَاَللَّه أَعْلَم. فَأَمَّا الْآثَار فَقَالَ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق بْن يَسَار عَنْ دَاوُدَ بْن الْحُصَيْن عَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : كَانَتْ حَوَّاء تَلِد لِآدَم عَلَيْهِ السَّلَام أَوْلَادًا فَيُعَبِّدهُمْ لِلَّهِ وَيُسَمِّيهِمْ عَبْد اللَّه وَعُبَيْد اللَّه وَنَحْو ذَلِكَ فَيُصِيبهُمْ الْمَوْت فَأَتَاهُمَا إِبْلِيس فَقَالَ إِنَّكُمَا لَوْ سَمَّيْتُمَاهُ بِغَيْرِ الَّذِي تُسَمِّيَانِهِ بِهِ لَعَاشَ قَالَ فَوَلَدَتْ لَهُ رَجُلًا فَسَمَّاهُ عَبْد الْحَارِث فَفِيهِ أَنْزَلَ اللَّه يَقُول " هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْس وَاحِدَة - إِلَى قَوْله - جَعَلَا لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا " إِلَى آخِر الْآيَة وَقَالَ الْعَوْفِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس قَوْله فِي آدَم " هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْس وَاحِدَة - إِلَى قَوْله - فَمَرَّتْ بِهِ " شَكَّتْ حَمَلَتْ أَمْ لَا ؟ " فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّه رَبّهمَا لَئِنْ آتَيْتنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنْ الشَّاكِرِينَ " فَأَتَاهُمَا الشَّيْطَان فَقَالَ هَلْ تَدْرِيَانِ مَا يُولَد لَكُمَا ؟ أَمْ هَلْ تَدْرِيَانِ مَا يَكُون أَبَهِيمَة أَمْ لَا ؟ وَزَيَّنَ لَهُمَا الْبَاطِل إِنَّهُ غَوِيّ مُبِين وَقَدْ كَانَتْ قَبْل ذَلِكَ وَلَدَتْ وَلَدَيْنِ فَمَاتَا فَقَالَ لَهُمَا الشَّيْطَان إِنَّكُمَا إِنْ لَمْ تُسَمِّيَاهُ بِي لَمْ يَخْرُج سَوِيًّا وَمَاتَ كَمَا مَاتَ الْأَوَّل فَسَمَّيَا وَلَدهمَا عَبْد الْحَارِث .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْس وَاحِدَة } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : { هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْس وَاحِدَة } يَعْنِي بِالنَّفْسِ الْوَاحِدَة : آدَم ; كَمَا : 12028 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ سُفْيَان , عَنْ رَجُل , عَنْ مُجَاهِد : { خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْس وَاحِدَة } قَالَ : آدَم عَلَيْهِ السَّلَام . 12029 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْس وَاحِدَة } مِنْ آدَم .

وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : { وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجهَا } : وَجَعَلَ مِنْ النَّفْس الْوَاحِدَة , وَهُوَ آدَم , زَوْجهَا حَوَّاء ; كَمَا : 12030 - حَدَّثَنِي بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة . { وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجهَا } : حَوَّاء , فَجُعِلَتْ مِنْ ضِلَع مِنْ أَضْلَاعه لِيَسْكُن إِلَيْهَا.


وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : { لِيَسْكُن إِلَيْهَا } : لِيَأْوِيَ إِلَيْهَا لِقَضَاءِ الْحَاجَة وَلَذَّته . وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : { فَلَمَّا تَغَشَّاهَا } فَلَمَّا تَدَثَّرَهَا لِقَضَاءِ حَاجَته مِنْهَا فَقَضَى حَاجَته مِنْهَا , { حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا } وَفِي الْكَلَام مَحْذُوف تُرِكَ ذِكْره اِسْتِغْنَاء بِمَا ظَهَرَ عَمَّا حُذِفَ , وَذَلِكَ قَوْله : { فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ } وَإِنَّمَا الْكَلَام : فَلَمَّا تَغَشَّاهَا فَقَضَى حَاجَته مِنْهَا حَمَلَتْ . وَقَوْله : { حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا } يَعْنِي بِخِفَّةِ الْحَمْل : الْمَاء الَّذِي حَمَلَتْهُ حَوَّاء فِي رَحِمهَا مِنْ آدَم أَنَّهُ كَانَ حَمْلًا خَفِيفًا , وَكَذَلِكَ هُوَ حَمْل الْمَرْأَة مَاء الرَّجُل خَفِيف عَلَيْهَا . وَأَمَّا قَوْله : { فَمَرَّتْ بِهِ } فَإِنَّهُ يَعْنِي : اِسْتَمَرَّتْ بِالْمَاءِ : قَامَتْ بِهِ وَقَعَدَتْ , وَأَتَمَّتْ الْحَمْل . كَمَا : 12031 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبُو أُسَامَة , عَنْ أَبِي عُمَيْر , عَنْ أَيُّوب , قَالَ : سَأَلْت الْحَسَن عَنْ قَوْله : { حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ } قَالَ : لَوْ كُنْت امْرَأً عَرَبِيًّا لَعَرَفْت مَا هِيَ , إِنَّمَا هِيَ : فَاسْتَمَرَّتْ بِهِ . 12032 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ } اِسْتَبَانَ حَمْلهَا. 12033 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { فَمَرَّتْ بِهِ } قَالَ : اِسْتَمَرَّ حَمْلهَا . 12034 - حَدَّثَنِي مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , قَوْله : { حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا } قَالَ : هِيَ النُّطْفَة . وَقَوْله { فَمَرَّتْ بِهِ } يَقُول : اِسْتَمَرَّتْ بِهِ . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : فَشَكَّتْ فِيهِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ . 12035 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , فِي قَوْله : { فَمَرَّتْ بِهِ } قَالَ : فَشَكَّتْ أَحَمَلَتْ أَمْ لَا .

وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : { فَلَمَّا أَثْقَلَتْ } فَلَمَّا صَارَ مَا فِي بَطْنهَا مِنْ الْحَمْل الَّذِي كَانَ خَفِيفًا ثَقِيلًا وَدَنَتْ وِلَادَتهَا , يُقَال مِنْهُ : أَثْقَلَتْ فُلَانَة إِذَا صَارَتْ ذَات ثِقَل بِحَمْلِهَا كَمَا يُقَال : أَتْمَر فُلَان : إِذَا صَارَ ذَا تَمْر . كَمَا : 12036 - حَدَّثَنِي مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { فَلَمَّا أَثْقَلَتْ } : كَبُرَ الْوَلَد فِي بَطْنهَا .

قَالَ أَبُو جَعْفَر : { دَعَوَا اللَّه رَبّهمَا } يَقُول : نَادَى آدَم وَحَوَّاء رَبّهمَا وَقَالَا : يَا رَبّنَا لَئِنْ آتَيْتنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنْ الشَّاكِرِينَ . وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي مَعْنَى الصَّلَاح الَّذِي أَقْسَمَ آدَم وَحَوَّاء عَلَيْهِمَا السَّلَام أَنَّهُ إِنْ آتَاهُمَا صَالِحًا فِي حَمْل حَوَّاء لَنَكُونَنَّ مِنْ الشَّاكِرِينَ . فَقَالَ بَعْضهمْ : ذَلِكَ هُوَ أَنْ يَكُون الْحَمْل غُلَامًا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ . 12037 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , قَالَ : قَالَ الْحَسَن , فِي قَوْله : { لَئِنْ آتَيْتنَا صَالِحًا } قَالَ : غُلَامًا . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ هُوَ أَنْ يَكُون الْمَوْلُود بَشَرًا سَوِيًّا مِثْلهمَا , وَلَا يَكُون بَهِيمَة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ . 12038 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ سُفْيَان , عَنْ زَيْد بْن جُبَيْر الْحَسْمِيّ , عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيّ , فِي قَوْله : { لَئِنْ آتَيْتنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنْ الشَّاكِرِينَ } قَالَ : أَشْفَقَا أَنْ يَكُون شَيْئًا دُون الْإِنْسَان . * قَالَ : ثَنَا يَحْيَى بْن يَمَان , عَنْ سُفْيَان , عَنْ زَيْد بْن جُبَيْر , عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيّ , قَالَ : أَشْفَقَا أَنْ لَا يَكُون إِنْسَانًا . 12039 - قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن عُبَيْد , عَنْ إِسْمَاعِيل , عَنْ أَبِي صَالِح , قَالَ : لَمَّا حَمَلَتْ اِمْرَأَة آدَم فَأَثْقَلَتْ , كَانَا يُشْفِقَانِ أَنْ يَكُون بَهِيمَة , { فَدَعَوَا رَبّهمَا لَئِنْ آتَيْنَا صَالِحًا } الْآيَة . 12040 - قَالَ : ثنا جَابِر بْن نُوح , عَنْ أَبِي رَوْق , عَنْ الضَّحَّاك , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : أَشْفَقَا أَنْ يَكُون بَهِيمَة . 12041 - حَدَّثَنِي الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : قَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر : لَمَّا هَبَطَ آدَم وَحَوَّاء , أُلْقِيَتْ الشَّهْوَة فِي نَفْسه فَأَصَابَهَا , فَلَيْسَ إِلَّا أَنْ أَصَابَهَا حَمَلَتْ , فَلَيْسَ إِلَّا أَنْ حَمَلَتْ تَحَرَّكَ فِي بَطْنهَا وَلَدهَا , قَالَتْ : مَا هَذَا ؟ فَجَاءَهَا إِبْلِيس , فَقَالَ : أَتَرَيْنَ فِي الْأَرْض إِلَّا نَاقَة أَوْ بَقَرَة أَوْ ضَائِنَة أَوْ مَاعِزَة ؟ هُوَ بَعْض ذَلِكَ . قَالَتْ : وَاَللَّه مَا مِنِّي شَيْء إِلَّا وَهُوَ يَضِيق عَنْ ذَلِكَ. قَالَ : فَأَطِيعِينِي وَسَمِّيهِ عَبْد الْحَارِث تَلِدِي شِبْهكُمَا مِثْلكُمَا ! قَالَ : فَذَكَرْت ذَلِكَ لِآدَم عَلَيْهِ السَّلَام , فَقَالَ : هُوَ صَاحِبنَا الَّذِي قَدْ أَخْرَجَنَا مِنْ الْجَنَّة. فَمَاتَ , ثُمَّ حَمَلَتْ بِآخَر , فَجَاءَهَا فَقَالَ : أَطِيعِينِي وَسَمِّيهِ عَبْد الْحَارِث - وَكَانَ اِسْمه فِي الْمَلَائِكَة الْحَارِث - وَإِلَّا وَلَدْت نَاقَة أَوْ بَقَرَة أَوْ ضَائِنَة أَوْ مَاعِزَة , أَوْ قَتَلْته , فَإِنِّي أَنَا قَتَلْت الْأَوَّل ! قَالَ : فَذَكَرْت ذَلِكَ لِآدَم , فَكَأَنَّهُ لَمْ يَكْرَههُ , فَسَمَّتْهُ عَبْد الْحَارِث , فَذَلِكَ قَوْله : { لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا } يَقُول : شِبْهنَا مِثْلنَا , { فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا } قَالَ : شِبْههمَا مِثْلهمَا . 12042 - حَدَّثَنِي مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { فَلَمَّا أَثْقَلَتْ } كَبُرَ الْوَلَد فِي بَطْنهَا جَاءَهَا إِبْلِيس , فَخَوَّفَهَا وَقَالَ لَهَا : مَا يُدْرِيك مَا فِي بَطْنك , لَعَلَّهُ كَلْب أَوْ خِنْزِير أَوْ حِمَار ؟ وَمَا يُدْرِيك مِنْ أَيْنَ يَخْرُج ؟ أَمِنْ دُبْرك فَيَقْتُلك , أَوْ مِنْ قُبُلك , أَوْ يَنْشَقّ بَطْنك فَيَقْتُلك ؟ فَذَلِكَ حِين { دَعَوَا اللَّه رَبّهمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا } يَقُول : مِثْلنَا , { لَنَكُونَنَّ مِنْ الشَّاكِرِينَ } قَالَ أَبُو جَعْفَر وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَال : إِنَّ اللَّه أَخْبَرَ عَنْ آدَم وَحَوَّاء أَنَّهُمَا دَعَوَا اللَّه رَبّهمَا بِحَمْلِ حَوَّاء , وَأَقْسَمَا لَئِنْ أَعْطَاهُمَا فِي بَطْن حَوَّاء صَالِحًا لَيَكُونَانِ لِلَّهِ مِنْ الشَّاكِرِينَ . وَالصَّلَاح قَدْ يَشْمَل مَعَانِيَ كَثِيرَة . مِنْهَا الصَّلَاح فِي اِسْتِوَاء الْخَلْق . وَمِنْهَا الصَّلَاح فِي الدِّين , وَالصَّلَاح فِي الْعَقْل وَالتَّدْبِير . وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , وَلَا خَبَر عَنْ الرَّسُول يُوجِب الْحُجَّة بِأَنَّ ذَلِكَ عَلَى بَعْض مَعَانِي الصَّلَاح دُون بَعْض , وَلَا فِيهِ مِنْ الْعَقْل دَلِيل وَجَبَ أَنْ يَعُمّ كَمَا عَمَّهُ اللَّه , فَيُقَال إِنَّهُمَا قَالَا لَئِنْ آتَيْتنَا صَالِحًا بِجَمِيعِ مَعَانِي الصَّلَاح .

وَأَمَّا مَعْنَى قَوْله : { لَنَكُونَنَّ مِنْ الشَّاكِرِينَ } فَإِنَّهُ لَنَكُونَنَّ مِمَّنْ يَشْكُرك عَلَى مَا وَهَبْت لَهُ مِنْ الْوَلَد صَالِحًا .
مشاركة الموضوع