تفسير القرطبي

سورة القلم الآية ٥٠

فَٱجْتَبَٰهُ رَبُّهُۥ فَجَعَلَهُۥ مِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ﴿٥٠﴾
أَيْ اِصْطَفَاهُ وَاخْتَارَهُ . " فَجَعَلَهُ مِنْ الصَّالِحِينَ " قَالَ اِبْن عَبَّاس : رَدَّ اللَّه إِلَيْهِ الْوَحْيَ , وَشَفَّعَهُ فِي نَفْسه وَفِي قَوْمه , وَقَبِلَ تَوْبَته , وَجَعَلَهُ مِنْ الصَّالِحِينَ بِأَنْ أَرْسَلَهُ إِلَى مِائَة أَلْف أَوْ يَزِيدُونَ .
فاصطفاه ربه لرسالته, فجعله من الصالحين الذين صلحت نياتهم وأعمالهم وأقوالهم.
فاصبر -أيها الرسول- لما حكم به ربك وقضاه، ومن ذلك إمهالهم وتأخير نصرتك عليهم، ولا تكن كصاحب الحوت، وهو يونس -عليه السلام- في غضبه وعدم صبره على قومه، حين نادى ربه، وهو مملوء غمًّا طالبًا تعجيل العذاب لهم، لولا أن تداركه نعمة مِن ربه بتوفيقه للتوبة وقَبولها لَطُرِح مِن بطن الحوت بالأرض الفضاء المهلكة، وهو آتٍ بما يلام عليه، فاصطفاه ربه لرسالته، فجعله من الصالحين الذين صلحت نياتهم وأعمالهم وأقوالهم.
"فَاجْتَبَاهُ رَبّه" بِالنُّبُوَّةِ "فَجَعَلَهُ مِنْ الصَّالِحِينَ" أَيْ مِنْ الْأَنْبِيَاء
وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى " فَاجْتَبَاهُ رَبّه فَجَعَلَهُ مِنْ الصَّالِحِينَ " وَقَدْ قَالَ الْإِمَام أَحْمَد حَدَّثَنَا وَكِيع حَدَّثَنَا سُفْيَان عَنْ الْأَعْمَش عَنْ أَبِي وَائِل عَنْ عَبْد اللَّه قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَقُول أَنَا خَيْر مِنْ يُونُس بْن مَتَّى " وَرَوَاهُ الْبُخَارِيّ مِنْ حَدِيث سُفْيَان الثَّوْرِيّ وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَاجْتَبَاهُ رَبّه فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَاجْتَبَى صَاحِب الْحُوت رَبُّهُ , يَعْنِي اصْطَفَاهُ وَاخْتَارَهُ لِنُبُوَّتِهِ { فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ } يَعْنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ الْعَامِلِينَ بِمَا أَمَرَهُمْ بِهِ رَبّهمْ , الْمُنْتَهِينَ عَمَّا نَهَاهُمْ عَنْهُ .
مشاركة الموضوع