تفسير القرطبي

سورة القلم الآية ٤٥

وَأُمْلِى لَهُمْ ۚ إِنَّ كَيْدِى مَتِينٌ ﴿٤٥﴾
أَيْ أُمْهِلهُمْ وَأُطِيل لَهُمْ الْمُدَّة . وَالْمُلَاوَة : الْمُدَّة مِنْ الدَّهْر . وَأَمْلَى اللَّه لَهُ أَيْ أَطَالَ لَهُ . وَالْمَلَوَانِ : اللَّيْل وَالنَّهَار . وَقِيلَ : " وَأُمْلِي لَهُمْ " أَيْ لَا أُعَاجِلهُمْ بِالْمَوْتِ ; وَالْمَعْنَى وَاحِد . وَقَدْ مَضَى فِي " الْأَعْرَاف " بَيَان هَذَا .


أَيْ إِنَّ عَذَابِي لَقَوِيّ شَدِيد فَلَا يَفُوتنِي أَحَد .
وأمهلهم وأطيل أعمارهم; ليزدادوا إثما إن كيدي بأهل الكفر قوي شديد.
فذرني -أيها الرسول- ومَن يكذِّب بهذا القرآن، فإن عليَّ جزاءهم والانتقام منهم، سنمدهم بالأموال والأولاد والنعم؛ استدراجًا لهم من حيث لا يشعرون أنه سبب لإهلاكهم، وأُمهلهم وأُطيل أعمارهم؛ ليزدادوا إثمًا. إن كيدي بأهل الكفر قويٌّ شديد.
"وَأُمْلِي لَهُمْ" أَمْهِلْهُمْ "إنَّ كَيْدِي مَتِين" شَدِيد لَا يُطَاق
أَيْ وَأُؤَخِّرهُمْ وَأُنْظِرهُمْ وَأَمُدّهُمْ وَذَلِكَ مِنْ كَيْدِي وَمَكْرِي بِهِمْ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى " إِنَّ كَيْدِي مَتِين " أَيْ عَظِيم لِمَنْ خَالَفَ أَمْرِي وَكَذَّبَ رُسُلِي وَاجْتَرَأَ عَلَى مَعْصِيَتِي . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ" إِنَّ اللَّه تَعَالَى لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتهُ " ثُمَّ قَرَأَ " وَكَذَلِكَ أَخْذ رَبّك إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَة إِنَّ أَخْذه أَلِيم شَدِيد " .
وَقَوْله : { وَأُمْلِي لَهُمْ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَأُنْسِئ فِي آجَالهمْ مُلَاوَة مِنْ الزَّمَان , وَذَلِكَ بُرْهَة مِنَ الدَّهْر عَلَى كُفْرهمْ وَتَمَرُّدهمْ عَلَى اللَّه لِتَتَكَامَل حُجَج اللَّه عَلَيْهِمْ

يَقُول : إِنَّ كَيْدِي بِأَهْلِ الْكُفْر قَوِيّ شَدِيد .
مشاركة الموضوع