تفسير القرطبي

سورة القلم الآية ١٥

إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ ءَايَٰتُنَا قَالَ أَسَٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ ﴿١٥﴾
وَدَلَّ عَلَى هَذَا الْفِعْل : " إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتنَا قَالَ أَسَاطِير الْأَوَّلِينَ " وَلَا يَعْمَل فِي " أَنْ " : " تُتْلَى " وَلَا " قَالَ " لِأَنَّ مَا بَعْد " إِذَا " لَا يَعْمَل فِيمَا قَبْلهَا ; لِأَنَّ " إِذَا " تُضَاف إِلَى الْجُمَل الَّتِي بَعْدهَا , وَلَا يَعْمَل الْمُضَاف إِلَيْهِ فِيمَا قَبْل الْمُضَاف . و " قَالَ " جَوَاب الْجَزَاء وَلَا يَعْمَل فِيمَا قَبْل الْجَزَاء ; إِذْ حُكْم الْعَامِل أَنْ يَكُون قَبْل الْمَعْمُول فِيهِ , وَحُكْم الْجَوَاب أَنْ يَكُون بَعْد الشَّرْط فَيَصِير مُقَدَّمًا مُؤَخَّرًا فِي حَال . وَيَجُوز أَنْ يَكُون الْمَعْنَى لَا تُطِعْهُ لِأَنْ كَانَ ذَا يَسَار وَعَدَد . قَالَ اِبْن الْأَنْبَارِيّ : وَمَنْ قَرَأَ بِلَا اِسْتِفْهَام لَمْ يَحْسُن أَنْ يَقِف عَلَى " زَنِيم " لِأَنَّ الْمَعْنَى لِأَنْ كَانَ وَبِأَنْ كَانَ , " فَأَنْ " مُتَعَلِّقَة بِمَا قَبْلهَا . قَالَ غَيْره : يَجُوز أَنْ يَتَعَلَّق بِقَوْلِهِ : " مَشَّاء بِنَمِيمٍ " وَالتَّقْدِير يَمْشِي بِنَمِيمٍ لِأَنْ كَانَ ذَا مَال وَبَنِينَ . وَأَجَازَ أَبُو عَلِيّ أَنْ يَتَعَلَّق " بِعُتُلٍّ " .

وَأَسَاطِير الْأَوَّلِينَ : أَبَاطِيلهمْ وَتُرَّهَاتهمْ وَخُرَافَاتهمْ . وَقَدْ تَقَدَّمَ .
إذا قرأ عليه أحد آيات القرآن كذب بها , وقال: هذا أباطيل الأولين وخرافاتهم وفي هذه الآيات تحذير المسلم من موافقة من اتصف بهذه الصفات الذميمة.
ولا تطع -أيها الرسول- كلَّ إنسانٍ كثير الحلف كذاب حقير، مغتاب للناس، يمشي بينهم بالنميمة، وينقل حديث بعضهم إلى بعض على وجه الإفساد بينهم، بخيل بالمال ضنين به عن الحق، شديد المنع للخير، متجاوز حدَّه في العدوان على الناس وتناول المحرمات، كثير الآثام، شديد في كفره، فاحش لئيم، منسوب لغير أبيه. ومن أجل أنه كان صاحب مال وبنين طغى وتكبر عن الحق، فإذا قرأ عليه أحد آيات القرآن كذَّب بها، وقال: هذا أباطيل الأولين وخرافاتهم. وهذه الآيات وإن نزلت في بعض المشركين كالوليد بن المغيرة، إلا أن فيها تحذيرًا للمسلم من موافقة من اتصف بهذه الصفات الذميمة.
"إذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتنَا" الْقُرْآن "قَالَ" هِيَ "أَسَاطِير الْأَوَّلِينَ" أَيْ كَذَّبَ بِهَا لِإِنْعَامِنَا عَلَيْهِ بِمَا ذُكِرَ وَفِي قِرَاءَة أَأَنْ بِهَمْزَتَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ
كَفَرَ بِآيَاتِ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ وَأَعْرَضَ عَنْهَا وَزَعَمَ أَنَّهَا كَذِب مَأْخُوذ مِنْ أَسَاطِير الْأَوَّلِينَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى " ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْت وَحِيدًا وَجَعَلْت لَهُ مَالًا مَمْدُودًا وَبَنِينَ شُهُودًا وَمَهَّدْت لَهُ تَمْهِيدًا ثُمَّ يَطْمَع أَنْ أَزِيد كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ فَقُتِلَ كَيْف قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْف قَدَّرَ ثُمَّ نَظَر ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْر يُؤْثَر إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْل الْبَشَر سَأُصْلِيهِ سَقَر وَمَا أَدْرَاك مَا سَقَر لَا تُبْقِي وَلَا تَذَر لَوَّاحَة لِلْبَشَرِ عَلَيْهَا تِسْعَة عَشَر " .
وَقَوْله : { إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتنَا قَالَ أَسَاطِير الْأَوَّلِينَ } يَقُول : إِذَا تُقْرَأ عَلَيْهِ آيَات كِتَابنَا , قَالَ : هَذَا مِمَّا كَتَبَهُ الْأَوَّلُونَ اسْتِهْزَاء بِهِ وَإِنْكَارًا مِنْهُ أَنْ يَكُون ذَلِكَ مِنْ عِنْد اللَّه .
مشاركة الموضوع