تفسير القرطبي

سورة الملك الآية ٢٣

قُلْ هُوَ ٱلَّذِىٓ أَنشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلْأَبْصَٰرَ وَٱلْأَفْـِٔدَةَ ۖ قَلِيلًۭا مَّا تَشْكُرُونَ ﴿٢٣﴾
أَمَرَ نَبِيّه أَنْ يُعَرِّفهُمْ قُبْح شِرْكهمْ مَعَ اِعْتِرَافهمْ بِأَنَّ اللَّه خَلَقَهُمْ .

يَعْنِي الْقُلُوب

أَيْ لَا تَشْكُرُونَ هَذِهِ النِّعَم , وَلَا تُوَحِّدُونَ اللَّه تَعَالَى . تَقُول : قَلَّمَا أَفْعَل كَذَا ; أَيْ لَا أَفْعَلهُ .
قل لهم- يا محمد-: الله هو الذي أوجدكم من العدم, وجعل لكم السمع لتسمعوا به, والأبصار لتبصروا بها, والقلوب لتعقلوا بها, قليلا- أيها الكافرون- ما تؤدون شكر هذه النعم لربكم الذي أنعم بها عليكم.
قل لهم -أيها الرسول-: الله هو الذي أوجدكم من العدم، وجعل لكم السمع لتسمعوا به، والأبصار لتبصروا بها، والقلوب لتعقلوا بها، قليلا- أيها الكافرون- ما تؤدون شكر هذه النعم لربكم الذي أنعم بها عليكم. قل لهم: الله هو الذي خلقكم ونشركم في الأرض، وإليه وحده تُجمعون بعد هذا التفرق للحساب والجزاء.
"قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ" خَلَقَكُمْ "وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْع وَالْأَبْصَار وَالْأَفْئِدَة" الْقُلُوب "قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ" مَا مَزِيدَة وَالْجُمْلَة مُسْتَأْنَفَة مُخْبِرَة بِقِلَّةِ شُكْرهمْ جِدًّا عَلَى هَذِهِ النِّعَم
وَقَوْله تَعَالَى " قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ " أَيْ اِبْتَدَأَ خَلْقكُمْ بَعْد أَنْ لَمْ تَكُونُوا شَيْئًا مَذْكُورًا " وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْع وَالْأَبْصَار وَالْأَفْئِدَة " أَيْ الْعُقُول وَالْإِدْرَاك " قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ" أَيْ قَلَّمَا تَسْتَعْمِلُونَ هَذِهِ الْقُوَى الَّتِي أَنْعَمَ اللَّه بِهَا عَلَيْكُمْ فِي طَاعَته وَامْتِثَال أَوَامِره وَتَرْك زَوَاجِره.
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْع وَالْأَبْصَار وَالْأَفْئِدَة } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : قُلْ يَا مُحَمَّد لِلَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِالْبَعْثِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ . اللَّه الَّذِي أَنْشَأَكُمْ فَخَلَقَكُمْ , { وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْع } تَسْمَعُونَ بِهِ { وَالْأَبْصَار } تُبْصِرُونَ بِهَا { وَالْأَفْئِدَة } تَعْقِلُونَ بِهَا .

يَقُول : قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ رَبّكُمْ عَلَى هَذِهِ النِّعَم الَّتِي أَنْعَمَهَا عَلَيْكُمْ .
مشاركة الموضوع