تفسير القرطبي

سورة المنافقون الآية ٩

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَٰلُكُمْ وَلَآ أَوْلَٰدُكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَٰسِرُونَ ﴿٩﴾
حَذَّرَ الْمُؤْمِنِينَ أَخْلَاق الْمُنَافِقِينَ ; أَيْ لَا تَشْتَغِلُوا بِأَمْوَالِكُمْ كَمَا فَعَلَ الْمُنَافِقُونَ إِذْ قَالُوا - لِلشُّحِّ بِأَمْوَالِهِمْ - : لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْد رَسُول اللَّه . " عَنْ ذِكْر اللَّه " أَيْ عَنْ الْحَجّ وَالزَّكَاة . وَقِيلَ : عَنْ قِرَاءَة الْقُرْآن . وَقِيلَ : عَنْ إِدَامَة الذِّكْر . وَقِيلَ : عَنْ الصَّلَوَات الْخَمْس ; قَالَهُ الضَّحَّاك . وَقَالَ الْحَسَن : جَمِيع الْفَرَائِض ; كَأَنَّهُ قَالَ عَنْ طَاعَة اللَّه . وَقِيلَ : هُوَ خِطَاب لِلْمُنَافِقِينَ ; أَيْ آمَنْتُمْ بِالْقَوْلِ فَآمَنُوا بِالْقَلْبِ . " وَمَنْ يَفْعَل ذَلِكَ " أَيْ مَنْ يَشْتَغِل بِالْمَالِ وَالْوَلَد عَنْ طَاعَة رَبّه " فَأُولَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ " .
يا أيها الذين صدقوا الله واتبعوا رسوله, لا تشغلكم أموالكم ولا أولادكم عن عبادة الله وطاعته, عن ومن تشغله أمواله, وأولاده عن ذلك, فأولئك هم المغبونون حظوظهم من كرامة الله ورحمته.
يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه، لا تَشْغَلْكم أموالكم ولا أولادكم عن عبادة الله وطاعته، ومن تشغَله أمواله وأولاده عن ذلك، فأولئك هم المغبونون حظوظهم من كرامة الله ورحمته.
"يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ " تَشْغَلكُمْ "أَمْوَالكُمْ وَلَا أَوْلَادكُمْ عَنْ ذِكْر اللَّه " الصَّلَوَات الْخَمْس
يَقُول تَعَالَى آمِرًا لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ بِكَثْرَةِ ذِكْرِهِ وَنَاهِيًا لَهُمْ عَنْ أَنْ تَشْغَلهُمْ الْأَمْوَال وَالْأَوْلَاد عَنْ ذَلِكَ وَمُخْبِرًا لَهُمْ بِأَنَّهُ مَنْ اِلْتَهَى بِمَتَاعِ الْحَيَاة الدُّنْيَا وَزِينَتهَا عَمَّا خُلِقَ لَهُ مِنْ طَاعَة رَبّه وَذِكْرِهِ فَإِنَّهُ مِنْ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ يَخْسَرُونَ أَنْفُسهمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْم الْقِيَامَة ثُمَّ حَثَّهُمْ عَلَى الْإِنْفَاق فِي طَاعَته .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالكُمْ وَلَا أَوْلَادكُمْ عَنْ ذِكْر اللَّه } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : يَا أَيّهَا الَّذِينَ صَدَّقُوا اللَّه وَرَسُوله { لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالكُمْ } يَقُول : لَا تُوجِب لَكُمْ أَمْوَالكُمْ { وَلَا أَوْلَادكُمْ } اللَّهْو { عَنْ ذِكْر اللَّه } وَهُوَ مِنْ أَلْهَيْته عَنْ كَذَا وَكَذَا , فَلَهَا هُوَ يَلْهُو لَهْوًا ; وَمِنْهُ قَوْل اِمْرِئِ الْقَيْس : وَمِثْلك حُبْلَى قَدْ طَرَقْت وَمُرْضِع فَأَلْهَيْتهَا عَنْ ذِي تَمَائِم مُحْوِل وَقِيلَ : عُنِيَ بِذِكْرِ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِي هَذَا الْمَوْضِع : الصَّلَوَات الْخَمْس . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 26483 -حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا مِهْرَان , عَنْ أَبِي سِنَان , عَنْ ثَابِت , عَنْ الضَّحَّاك { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالكُمْ وَلَا أَوْلَادكُمْ عَنْ ذِكْر اللَّه } قَالَ : الصَّلَوَات الْخَمْس .

وَقَوْله : { وَمَنْ يَفْعَل ذَلِكَ } يَقُول : وَمَنْ يُلْهِهِ مَاله وَأَوْلَاده عَنْ ذِكْر اللَّه { فَأُولَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ } يَقُول : هُمْ الْمَغْبُونُونَ حُظُوظهمْ مِنْ كَرَامَة اللَّه وَرَحْمَته تَبَارَكَ وَتَعَالَى .
مشاركة الموضوع