تفسير القرطبي

سورة الجمعة الآية ٨

قُلْ إِنَّ ٱلْمَوْتَ ٱلَّذِى تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُۥ مُلَٰقِيكُمْ ۖ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَٰلِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿٨﴾
قَالَ الزَّجَّاج : لَا يُقَال : إِنَّ زَيْدًا فَمُنْطَلِق , وَهَاهُنَا قَالَ : " فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ " لِمَا فِي مَعْنَى " الَّذِي " مِنْ الشَّرْط وَالْجَزَاء , أَيْ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ , وَيَكُون مُبَالَغَة فِي الدَّلَالَة عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْفَع الْفِرَار مِنْهُ . قَالَ زُهَيْر : وَمَنْ هَابَ أَسْبَاب الْمَنَايَا يَنَلْنَهُ وَلَوْ رَامَ أَسْبَاب السَّمَاء بِسُلَّمِ قُلْت : وَيَجُوز أَنْ يَتِمّ الْكَلَام عِنْد قَوْله : " الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ " ثُمَّ يَبْتَدِئ " فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ " . وَقَالَ طَرَفَة : وَكَفَى بِالْمَوْتِ فَاعْلَمْ وَاعِظًا لِمَنْ الْمَوْت عَلَيْهِ قَدْ قُدِرْ فَاذْكُرْ الْمَوْت وَحَاذِرْ ذِكْره إِنَّ فِي الْمَوْت لِذِي اللُّبّ عِبَرْ كُلّ شَيْء سَوْفَ يَلْقَى حَتْفه فِي مَقَام أَوْ عَلَى ظَهْر سَفَر وَالْمَنَايَا حَوْله تَرْصُدهُ لَيْسَ يُنْجِيه مِنْ الْمَوْت الْحَذَر
قل: إن الموت الذي تهربون منه لا مفر منه, فإنه آت إليكم عند مجئ آجالكم, ثم ترجعون يوم البعث إلى الله العالم بما غاب وما حضر, فيخبركم بأعمالكم, وسيجازيكم عليها.
قل: إن الموت الذي تهربون منه لا مفرَّ منه، فإنه آتٍ إليكم عند مجيء آجالكم، ثم ترجعون يوم البعث إلى الله العالم بما غاب وما حضر، فيخبركم بأعمالكم، وسيجازيكم عليها.
"قُلْ إنَّ الْمَوْت الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ" الْفَاء زَائِدَة "مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إلَى عَالِم الْغَيْب وَالشَّهَادَة" السِّرّ وَالْعَلَانِيَة "فَيُنَبِّئكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ" فَيُجَازِيكُمْ بِهِ
وَقَوْله تَعَالَى " قُلْ إِنَّ الْمَوْت الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّون إِلَى عَالِم الْغَيْب وَالشَّهَادَة فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ" كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَة النِّسَاء " أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُمْ الْمَوْت وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوج مُشَيَّدَة " وَفِي مُعْجَم الطَّبَرَانِيّ مِنْ حَدِيث مُعَاذ مُحَمَّد بْن مُحَمَّد الْهُذَلِيّ عَنْ يُونُس عَنْ الْحَسَن عَنْ سَمُرَة مَرْفُوعًا " مَثَل الَّذِي يَفِرّ مِنْ الْمَوْت كَمَثَلِ الثَّعْلَب تَطْلُبهُ الْأَرْض بِدَيْنٍ فَجَاءَ يَسْعَى حَتَّى إِذَا أُعْيَا وَانْبَهَرَ دَخَلَ جُحْره فَقَالَتْ لَهُ الْأَرْض يَا ثَعْلَب دَيْنِي فَخَرَجَ لَهُ حِصَاص فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى تَقَطَّعَتْ عُنُقه فَمَاتَ " .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قُلْ إِنَّ الْمَوْت الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِم الْغَيْب وَالشَّهَادَة } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { قُلْ } يَا مُحَمَّد لِلْيَهُودِ { إِنَّ الْمَوْت الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ } فَتَكْرَهُونَهُ , وَتَأْبَوْنَ أَنْ تَتَمَنَّوْهُ { فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ } وَنَازِل بِكُمْ { ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِم الْغَيْب وَالشَّهَادَة } ثُمَّ يَرُدّكُمْ رَبّكُمْ مِنْ بَعْد مَمَاتكُمْ إِلَى عَالِم الْغَيْب وَالشَّهَادَة , عَالِم غَيْب السَّمَوَات وَالْأَرْض ; وَالشَّهَادَة : يَعْنِي وَمَا شُهِدَ فَظَهَرَ لِرَأْيِ الْعَيْن , وَلَمْ يَغِبْ عَنْ أَبْصَار النَّاظِرِينَ . 26425 - حَدَّثَنَا اِبْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا اِبْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , قَالَ : تَلَا قَتَادَة : { ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِم الْغَيْب وَالشَّهَادَة } فَقَالَ : إِنَّ اللَّه أَذَلَّ اِبْن آدَم بِالْمَوْتِ - لَا أَعْلَمهُ إِلَّا رَفَعَهُ .

{ فَيُنَبِّئكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } يَقُول : فَيُخْبِركُمْ حِينَئِذٍ مَا كُنْتُمْ فِي الدُّنْيَا تَعْمَلُونَ مِنْ الْأَعْمَال , سَيِّئهَا وَحَسَنهَا , لِأَنَّهُ مُحِيط بِجَمِيعِهَا , ثُمَّ يُجَازِيكُمْ عَلَى ذَلِكَ الْمُحْسِن بِإِحْسَانِهِ , وَالْمُسِيء بِمَا هُوَ أَهْله .
مشاركة الموضوع