تفسير القرطبي

سورة الصف الآية ٥

وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِۦ يَٰقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِى وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّى رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ ۖ فَلَمَّا زَاغُوٓا۟ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ ۚ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْفَٰسِقِينَ ﴿٥﴾
لَمَّا ذَكَرَ أَمْر الْجِهَاد بَيَّنَ أَنَّ مُوسَى وَعِيسَى أَمَرَا بِالتَّوْحِيدِ وَجَاهَدَا فِي سَبِيل اللَّه ; وَحَلَّ الْعِقَاب بِمَنْ خَالَفَهُمَا ; أَيْ وَاذْكُرْ لِقَوْمِك يَا مُحَمَّد هَذِهِ الْقِصَّة .

وَذَلِكَ حِين رَمَوْهُ بِالْأُدْرَةِ ; حَسْب مَا تَقَدَّمَ فِي آخِر سُورَة " الْأَحْزَاب " . وَمِنْ الْأَذَى مَا ذُكِرَ فِي قِصَّة قَارُون : إِنَّهُ دَسَّ إِلَى اِمْرَأَة تَدَّعِي عَلَى مُوسَى الْفُجُور . وَمِنْ الْأَذَى قَوْلهمْ : " اِجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَة " [ الْأَعْرَاف : 138 ] . وَقَوْلهمْ : " فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبّك فَقَاتِلَا " [ الْمَائِدَة : 24 ] . وَقَوْلهمْ : إِنَّك قَتَلْت هَارُون . وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا .

وَالرَّسُول يُحْتَرَم وَيُعَظَّم . وَدَخَلَتْ " قَدْ " عَلَى " تَعْلَمُونَ " لِلتَّأْكِيدِ ; كَأَنَّهُ قَالَ : وَتَعْلَمُونَ عِلْمًا يَقِينًا لَا شُبْهَة لَكُمْ فِيهِ .

أَيْ مَالُوا عَنْ الْحَقّ

أَيْ أَمَالَهَا عَنْ الْهُدَى . وَقِيلَ : " فَلَمَّا زَاغُوا " عَنْ الطَّاعَة " أَزَاغَ اللَّه قُلُوبهمْ " عَنْ الْهِدَايَة . وَقِيلَ : " فَلَمَّا زَاغُوا " عَنْ الْإِيمَان " أَزَاغَ اللَّه قُلُوبهمْ " عَنْ الثَّوَاب . وَقِيلَ : أَيْ لَمَّا تَرَكُوا مَا أُمِرُوا بِهِ مِنْ اِحْتِرَام الرَّسُول عَلَيْهِ السَّلَام وَطَاعَة الرَّبّ , خَلَقَ اللَّه الضَّلَالَة فِي قُلُوبهمْ عُقُوبَة لَهُمْ عَلَى فِعْلهمْ .

أَيْ مَنْ كَانَ فِي حُكْمه أَنَّهُ يُخْتَم لَهُ بِالْفِسْقِ
واذكر لقومك- يا محمد- حين قال نبي الله موسى عليه السلام لقومه: لم تؤذونني بالقول والفعل, وأنتم تعلمون أني رسول الله إليكم؟ فلما عدلوا عن الحق مع علمهم به, وأصروا على ذلك؟ صرف الله قلوبهم عن قبول الهداية.
عقوبة لهم على زيغهم الذي اختاروه لأنفسهم.
والله لا يهدي القوم الخارجين عن الطاعة ومنهاج الحق.
واذكر لقومك -أيها الرسول- حين قال نبي الله موسى عليه السلام لقومه: لِمَ تؤذونني بالقول والفعل، وأنتم تعلمون أني رسول الله إليكم؟ فلما عدلوا عن الحق مع علمهم به، وأصرُّوا على ذلك، صرف الله قلوبهم عن قَبول الهداية؛ عقوبة لهم على زيغهم الذي اختاروه لأنفسهم. والله لا يهدي القوم الخارجين عن الطاعة ومنهاج الحق.
"وَ" اذْكُرْ "إذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْم لِمَ تُؤْذُونَنِي" قَالُوا : إنَّهُ آدَر أَيْ مُنْتَفِخ الْخُصْيَة وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَكَذَّبُوهُ "وَقَدْ" لِلتَّحْقِيقِ "تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُول اللَّه إلَيْكُمْ" الْجُمْلَة حَال وَالرَّسُول يُحْتَرَم "فَلَمَّا زَاغُوا" عَدَلُوا عَنْ الْحَقّ بِإِيذَائِهِ "أَزَاغَ اللَّه قُلُوبهمْ" أَمَالَهَا عَنْ الْهُدَى عَلَى وَفْق مَا قَدَّرَهُ فِي الْأَزَل "وَاَللَّه لَا يَهْدِي الْقَوْم الْفَاسِقِينَ" الْكَافِرِينَ فِي عِلْمه
يَقُول تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ عَبْده وَرَسُوله وَكَلِيمه مُوسَى بْن عِمْرَان عَلَيْهِ السَّلَام أَنَّهُ قَالَ لِقَوْمِهِ لَمْ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُول اللَّه إِلَيْكُمْ أَيْ لِمَ تُوصِلُونَ الْأَذَى إِلَيَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ صِدْقِي فِيمَا جِئْتُكُمْ بِهِ مِنْ الرِّسَالَة . وَفِي هَذَا تَسْلِيَة لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا أَصَابَهُ مِنْ الْكُفَّار مِنْ قَوْمه وَغَيْرهمْ وَأَمَرَ لَهُ بِالصَّبْرِ وَلِهَذَا قَالَ " رَحْمَة اللَّه عَلَى مُوسَى : لَقَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَر مِنْ هَذَا فَصَبَرَ " وَفِيهِ نَهْي لِلْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَنَالُوا مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ يُوصِلُوا إِلَيْهِ أَذًى كَمَا قَالَ تَعَالَى " يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَاَلَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّه مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْد اللَّه وَجِيهًا " وَقَوْله تَعَالَى " فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّه قُلُوبهمْ " أَيْ فَلَمَّا عَدَلُوا عَنْ اِتِّبَاع الْحَقّ مَعَ عِلْمهمْ بِهِ أَزَاغَ اللَّه قُلُوبهمْ عَنْ الْهُدَى وَأَسْكَنَهَا الشَّكّ وَالْحَيْرَة وَالْخِذْلَان كَمَا قَالَ تَعَالَى " وَنُقَلِّب أَفْئِدَتهمْ وَأَبْصَارهمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّل مَرَّة وَنَذَرهُمْ فِي طُغْيَانهمْ يَعْمَهُونَ" وَقَالَ تَعَالَى " وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُول مِنْ بَعْد مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِع غَيْر سَبِيل الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّم وَسَاءَتْ مَصِيرًا " وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَة وَاَللَّه لَا يَهْدِي الْقَوْم الْفَاسِقِينَ.
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْم لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُول اللَّه إِلَيْكُمْ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَاذْكُرْ يَا مُحَمَّد { إِذْ قَالَ مُوسَى } بْن عِمْرَان { لِقَوْمِهِ يَا قَوْم لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ } حَقًّا { أَنِّي رَسُول اللَّه إِلَيْكُمْ }

وَقَوْله : { فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّه قُلُوبهمْ } يَقُول : فَلَمَّا عَدَلُوا وَجَارُوا عَنْ قَصْد السَّبِيل أَزَاغَ اللَّه قُلُوبهمْ : يَقُول : أَمَالَ اللَّه قُلُوبهمْ عَنْهُ ; وَقَدْ : 26387 -حَدَّثَنِي يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم , قَالَ : ثنا هُشَيْم , قَالَ : أَخْبَرَنَا الْعَوَّام , قَالَ : ثنا أَبُو غَالِب , عَنْ أَبِي أُمَامَة فِي قَوْله : { فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّه قُلُوبهمْ } قَالَ : هُمْ الْخَوَارِج .

{ وَاَللَّه لَا يَهْدِي الْقَوْم الْفَاسِقِينَ } يَقُول : وَاَللَّه لَا يُوَفِّق لِإِصَابَةِ الْحَقّ الْقَوْم الَّذِينَ اِخْتَارُوا الْكُفْر عَلَى الْإِيمَان .
مشاركة الموضوع