تفسير القرطبي

سورة الأنعام الآية ٨٨

ذَٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهْدِى بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ ۚ وَلَوْ أَشْرَكُوا۟ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ﴿٨٨﴾
قَوْله تَعَالَى : " ذَلِكَ هُدَى اللَّه يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاء مِنْ عِبَاده وَلَوْ أَشْرَكُوا " أَيْ لَوْ عَبَدُوا غَيْرِي لَحَبِطَتْ أَعْمَالهمْ , وَلَكِنِّي عَصَمْتهمْ . وَالْحُبُوط الْبُطْلَان . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي " الْبَقَرَة " .
" ذَلِكَ " الهدى المذكور " هُدَى اللَّهِ " الذي لا هدى إلا هداه.
" يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ " فاطلبوا منه الهدى فإن لم يهدكم, فلا هادي لكم غيره, وممن شاء هدايته, هؤلاء المذكورون.
" وَلَوْ أَشْرَكُوا " على الفرض والتقدير " لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ " .
فإن الشرك محبط للعمل, موجب للخلود في النار.
فإذا كان هؤلاء الصفوة الأخيار, لو أشركوا - وحاشاهم - لحبطت أعمالهم فغيرهم أولى.
ذلك الهدى هو توفيق الله، الذي يوفق به من يشاء من عباده. ولو أن هؤلاء الأنبياء أشركوا بالله -على سبيل الفرض والتقدير- لبطل عملهم؛ لأن الله تعالى لا يقبل مع الشرك عملا.
"ذَلِكَ" الدِّين الَّذِي هُدُوا إلَيْهِ "هُدَى اللَّه يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاء مِنْ عِبَاده وَلَوْ أَشْرَكُوا" فَرْضًا
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى " ذَلِكَ هُدَى اللَّه يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاء مِنْ عِبَاده " أَيْ إِنَّمَا حَصَلَ لَهُمْ ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللَّه وَهِدَايَته إِيَّاهُمْ " وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ " تَشْدِيد لِأَمْرِ الشِّرْك وَتَغْلِيظ لِشَأْنِهِ وَتَعْظِيم لِمُلَابَسَتِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى " وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْك وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلك لَئِنْ أَشْرَكْت لَيَحْبَطَنَّ عَمَلك " الْآيَة وَهَذَا شَرْط وَالشَّرْط لَا يَقْتَضِي جَوَاز الْوُقُوع كَقَوْلِهِ " قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَد فَأَنَا أَوَّل الْعَابِدِينَ " وَكَقَوْلِهِ " لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذ لَهْوًا لَاِتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ" وَكَقَوْلِهِ " لَوْ أَرَادَ اللَّه أَنْ يَتَّخِذ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُق مَا يَشَاء سُبْحَانه هُوَ اللَّه الْوَاحِد الْقَهَّار" .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { ذَلِكَ هُدَى اللَّه يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } . يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : { ذَلِكَ هُدَى اللَّه } هَذَا الْهُدَى الَّذِي هَدَيْت بِهِ مَنْ سَمَّيْت مِنْ الْأَنْبِيَاء وَالرُّسُل فَوَفَّقْتهمْ بِهِ لِإِصَابَةِ الدِّين الْحَقّ , الَّذِي نَالُوا بِإِصَابَتِهِمْ إِيَّاهُ رِضَا رَبّهمْ وَشَرَف الدُّنْيَا وَكَرَامَة الْآخِرَة , هُوَ هُدَى اللَّه , يَقُول : هُوَ تَوْفِيق اللَّه وَلُطْفه , الَّذِي يُوَفِّق بِهِ مَنْ يَشَاء وَيُلَطِّف بِهِ لِمَنْ أَحَبَّ مِنْ خَلْقه , حَتَّى يُنِيب إِلَى طَاعَة اللَّه وَإِخْلَاص الْعَمَل لَهُ وَإِقْرَاره بِالتَّوْحِيدِ وَرَفْض الْأَوْثَان وَالْأَصْنَام . { وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } يَقُول : وَلَوْ أَشْرَكَ هَؤُلَاءِ الْأَنْبِيَاء الَّذِينَ سَمَّيْنَاهُمْ بِرَبِّهِمْ تَعَالَى ذِكْرُهُ , فَعَبَدُوا مَعَهُ غَيْره , { لَحَبِطَ عَنْهُمْ } يَقُول : لَبَطَلَ , فَذَهَبَ عَنْهُمْ أَجْر أَعْمَالهمْ الَّتِي كَانُوا يَعْمَلُونَ , لِأَنَّ اللَّه لَا يَقْبَل مَعَ الشِّرْك بِهِ عَمَلًا .
مشاركة الموضوع