تفسير القرطبي

سورة الأنعام الآية ٨٧

وَمِنْ ءَابَآئِهِمْ وَذُرِّيَّٰتِهِمْ وَإِخْوَٰنِهِمْ ۖ وَٱجْتَبَيْنَٰهُمْ وَهَدَيْنَٰهُمْ إِلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ ﴿٨٧﴾
" مِنْ " لِلتَّبْعِيضِ ; أَيْ هَدْينَا بَعْض آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتهمْ وَإِخْوَانهمْ .



قَالَ مُجَاهِد : خَلَّصْنَاهُمْ , وَهُوَ عِنْد أَهْل اللُّغَة بِمَعْنَى اِخْتَرْنَاهُمْ ; مُشْتَقّ مِنْ جَبَيْت الْمَاء فِي الْحَوْض أَيْ جَمَعْته . فَالِاجْتِبَاء ضَمّ الَّذِي تَجْتَبِيه إِلَى خَاصَّتك . قَالَ الْكِسَائِيّ : وَجَبَيْت الْمَاء فِي الْحَوْض جَبًّا , مَقْصُور . وَالْجَابِيَة الْحَوْض . قَالَ : كَجَابِيَةِ الشَّيْخ الْعِرَاقِيّ تَفْهَق وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَى الِاصْطِفَاء وَالْهِدَايَة .
" وَمِنْ آبَائِهِمْ " أي:: آباء هؤلاء المذكورين " وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ " .
أي: وهدينا من آباء هؤلاء وذرياتهم وإخوانهم.
" وَاجْتَبَيْنَاهُمْ " أي اخترناهم " وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ " .
وكذلك وفَّقنا للحق من شئنا هدايته من آباء هؤلاء وذرياتهم وإخوانهم، واخترناهم لديننا وإبلاغ رسالتنا إلى مَن أرسلناهم إليهم، وأرشدناهم إلى طريق صحيح، لا عوج فيه، وهو توحيد الله تعالى وتنزيهه عن الشرك.
"وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتهمْ وَإِخْوَانهمْ" عُطِفَ عَلَى كُلًّا أَوْ نُوحًا وَمِنْ لِلتَّبْعِيضِ لِأَنَّ بَعْضهمْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَد وَبَعْضهمْ كَانَ فِي وَلَده كَافِر "وَاجْتَبَيْنَاهُمْ" اخْتَرْنَاهُمْ
وَقَوْله " وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتهمْ وَإِخْوَانهمْ " ذَكَرَ أُصُولهمْ وَفُرُوعهمْ وَذَوِي طَبَقَتهمْ وَأَنَّ الْهِدَايَة وَالِاجْتِبَاء شَمَلَهُمْ كُلّهمْ وَلِهَذَا قَالَ " وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم" .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتهمْ وَإِخْوَانهمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم } . يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَهَدَيْنَا أَيْضًا مِنْ آبَاء هَؤُلَاءِ الَّذِينَ سَمَّاهُمْ تَعَالَى ذِكْرُهُ وَمِنْ ذُرِّيَّاتهمْ وَإِخْوَانهمْ آخَرِينَ سِوَاهُمْ لَمْ يُسَمِّهِمْ لِلْحَقِّ وَالدِّين الْخَالِص الَّذِي لَا شِرْك فِيهِ , فَوَفَّقْنَاهُمْ لَهُ . { وَاجْتَبَيْنَاهُمْ } يَقُول : وَاخْتَرْنَاهُمْ لِدِينِنَا وَبَلَاغ رِسَالَتنَا إِلَى مَنْ أَرْسَلْنَاهُمْ إِلَيْهِ , كَاَلَّذِي اِخْتَرْنَا مِمَّنْ سَمَّيْنَا ; يُقَال مِنْهُ : اِجْتَبَى فُلَان لِنَفْسِهِ كَذَا : إِذَا اِخْتَارَهُ وَاصْطَفَاهُ يَجْتَبِيهِ اِجْتِبَاء . وَكَانَ مُجَاهِد يَقُول فِي ذَلِكَ , مَا : 10529 - حَدَّثَنِي بِهِ مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه تَعَالَى ذِكْرُهُ : { وَاجْتَبَيْنَاهُمْ } قَالَ : أَخْلَصْنَاهُمْ . * حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثَنَا شِبْل , عَنْ بْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . { وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم } يَقُول : وَسَدَّدْنَاهُمْ فَأَرْشَدْنَاهُمْ إِلَى طَرِيق غَيْر مُعْوَجّ , وَذَلِكَ دِين اللَّه الَّذِي لَا عِوَج فِيهِ , وَهُوَ الْإِسْلَام الَّذِي اِرْتَضَاهُ اللَّه رَبُّنَا لِأَنْبِيَائِهِ , وَأَمَرَ بِهِ عِبَادَهُ .
مشاركة الموضوع