تفسير القرطبي

سورة الأنعام الآية ٤١

بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِن شَآءَ وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ ﴿٤١﴾
" بَلْ " إِضْرَاب عَنْ الْأَوَّل وَإِيجَاب لِلثَّانِي . " إِيَّاهُ " نُصِبَ . ب " تَدْعُونَ "


أَيْ يَكْشِف الضُّرّ الَّذِي تَدْعُونَ إِلَى كَشْفه إِنْ شَاءَ كَشْفه .



قِيلَ : عِنْد نُزُول الْعَذَاب . وَقَالَ الْحَسَن : أَيْ تُعْرِضُونَ عَنْهُ إِعْرَاض النَّاسِي , وَذَلِكَ لِلْيَأْسِ مِنْ النَّجَاة مِنْ قَبْله إِذْ لَا ضَرَر فِيهِ وَلَا نَفْع . وَقَالَ الزَّجَّاج : يَجُوز أَنْ يَكُون الْمَعْنَى وَتَتْرُكُونَ . قَالَ النَّحَّاس : مِثْل قَوْله : " وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَم مِنْ قَبْل فَنَسِيَ " [ طَه : 115 ] .
" بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ " فإذا كانت هذه حالكم مع أندادكم عند الشدائد, تنسونهم, لعلمكم أنهم لا يملكون لكم ضرا ولا نفعا, ولا موتا, ولا حياة, ولا نشورا.
وتخلصون لله الدعاء, لعلمكم أنه هو الضار النافع, المجيب لدعوة المضطر.
فما بالكم, في الرخاء, تشركون به, وتجعلون له شركاء؟.
هل دلكم على ذلك, عقل أو نقل, أم عندكم من سلطان بهذا.
أم تفترون عل الله الكذب؟
بل تدعون -هناك- ربكم الذي خلقكم لا غيره، وتستغيثون به، فيفرج عنكم البلاء العظيم النازل بكم إن شاء؛ لأنه القادر على كل شيء، وتتركون حينئذ أصنامكم وأوثانكم وأولياءكم.
"بَلْ إيَّاهُ" لَا غَيْره "تَدْعُونَ" فِي الشَّدَائِد "فَيَكْشِف مَا تَدْعُونَ إلَيْهِ" أَنْ يَكْشِفهُ عَنْكُمْ مِنْ الضُّرّ وَنَحْوه "إنْ شَاءَ" كَشْفه "وَتَنْسَوْنَ" تَتْرُكُونَ "مَا تُشْرِكُونَ" مَعَهُ مِنْ الْأَصْنَام فَلَا تَدْعُونَهُ
" بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِف مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ " أَيْ فِي وَقْت الضَّرُورَة لَا تَدْعُونَ أَحَدًا سِوَاهُ وَتَذْهَب عَنْكُمْ أَصْنَامكُمْ وَأَنْدَادكُمْ كَقَوْلِهِ " وَإِذَا مَسَّكُمْ الضُّرّ فِي الْبَحْر ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ " الْآيَة .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِف مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ } . يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ مُكَذِّبًا لِهَؤُلَاءِ الْعَادِلِينَ بِهِ الْأَوْثَان : مَا أَنْتُمْ أَيّهَا الْمُشْرِكُونَ بِاَللَّهِ الْآلِهَة وَالْأَنْدَاد إِنْ أَتَاكُمْ عَذَاب اللَّه أَوْ أَتَتْكُمْ السَّاعَة بِمُسْتَجِيرِينَ بِشَيْءٍ غَيْر اللَّه فِي حَال شِدَّة الْهَوْل النَّازِل بِكُمْ مِنْ آلِهَة وَوَثَنٍ وَصَنَم , بَلْ تَدْعُونَ هُنَاكَ رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَبِهِ تَسْتَغِيثُونَ وَإِلَيْهِ تَفْزَعُونَ دُون كُلّ شَيْء غَيْره . { فَيَكْشِف مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ } يَقُول : فَيُفَرِّج عَنْكُمْ عِنْد اِسْتِغَاثَتكُمْ بِهِ وَتَضَرُّعكُمْ إِلَيْهِ عَظِيم الْبَلَاء النَّازِل بِكُمْ إِنْ شَاءَ أَنْ يُفَرِّج ذَلِكَ عَنْكُمْ , لِأَنَّهُ الْقَادِر عَلَى كُلّ شَيْء وَمَالِك كُلّ شَيْء دُون مَا تَدْعُونَهُ إِلَهًا مِنْ الْأَوْثَان وَالْأَصْنَام . { وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ } يَقُول : وَتَنْسَوْنَ حِين يَأْتِيكُمْ عَذَاب اللَّه أَوْ تَأْتِيكُمْ السَّاعَة بِأَهْوَالِهَا مَا تُشْرِكُونَهُ مَعَ اللَّه فِي عِبَادَتكُمْ إِيَّاهُ , فَتَجْعَلُونَهُ لَهُ نِدًّا مِنْ وَثَن وَصَنَم , وَغَيْر ذَلِكَ مِمَّا تَعْبُدُونَهُ مِنْ دُونه وَتَدْعُونَهُ إِلَهًا .
مشاركة الموضوع