تفسير القرطبي

سورة الأنعام الآية ٣٩

وَٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا صُمٌّۭ وَبُكْمٌۭ فِى ٱلظُّلُمَٰتِ ۗ مَن يَشَإِ ٱللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ ﴿٣٩﴾
اِبْتِدَاء وَخَبَر , أَيْ عَدِمُوا الِانْتِفَاع بِأَسْمَاعِهِمْ وَأَبْصَارهمْ ; فَكُلّ أُمَّة مِنْ الدَّوَابّ وَغَيْرهَا تَهْتَدِي لِمَصَالِحِهَا وَالْكُفَّار لَا يَهْتَدُونَ . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْبَقَرَة



أَيْ ظُلُمَات الْكُفْر . وَقَالَ أَبُو عَلِيّ : يَجُوز أَنْ يَكُون الْمَعْنَى ( صُمّ وَبُكْم ) فِي الْآخِرَة ; فَيَكُون حَقِيقَة دُون مَجَاز اللُّغَة .



دَلَّ عَلَى أَنَّهُ شَاءَ ضَلَال الْكَافِر وَأَرَادَهُ لِيُنَفِّذ فِيهِ عَدْله .



أَيْ عَلَى دِين الْإِسْلَام لِيُنَفِّذ فِيهِ فَضْله . وَفِيهِ إِبْطَال لِمَذْهَبِ الْقَدَرِيَّة . وَالْمَشِيئَة رَاجِعَة إِلَى الَّذِينَ كَذَّبُوا , فَمِنْهُمْ مَنْ يُضِلّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَهْدِيه .
هذا بيان لحال المكذبين بآيات الله, المكذبين لرسله, أنهم قد سدرا على أنفسهم باب الهدى, وفتحوا باب الردى.
وأنهم " صُمٌّ " عن سماع الحق " وَبُكْمٌ " عن النطق به, فلا ينطقون إلا بالباطل.
" فِي الظُّلُمَاتِ " أي: منغمسون في ظلمات الجهل, والكفر, والظلم, والعناد, والمعاصي.
وهذا من إضلال الله إياهم, فإنه " مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ " لأنه المنفرد بالهداية والإضلال, بحسب ما اقتضاه فضله وحكمته.
والذين كذبوا بحجج الله تعالى صمٌّ لا يسمعون ما ينفعهم، بُكْمٌ لا يتكلمون بالحق، فهم حائرون في الظلمات، لم يختاروا طريقة الاستقامة. من يشأ الله إضلاله يضلله، ومن يشأ هدايته يجعله على صراط مستقيم.
"وَاَلَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا" الْقُرْآن "صُمّ" عَنْ سَمَاعهَا سَمَاع قَبُول "وَبُكْم" عَنْ النُّطْق بِالْحَقِّ "فِي الظُّلُمَات" الْكُفْر "مَنْ يَشَأْ اللَّه" إضْلَاله "يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ" هِدَايَته "يَجْعَلهُ عَلَى صِرَاط" طَرِيق "مُسْتَقِيم" دِين الْإِسْلَام
وَقَوْله " وَاَلَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمّ وَبُكْم فِي الظُّلُمَات " أَيْ مِثْلهمْ فِي جَهْلهمْ وَقِلَّة عِلْمهمْ وَعَدَم فَهْمهمْ كَمَثَلِ أَصَمّ وَهُوَ الَّذِي لَا يَسْمَع أَبْكَم وَهُوَ الَّذِي لَا يَتَكَلَّم وَهُوَ مَعَ هَذَا فِي ظُلُمَات لَا يُبْصِر فَكَيْفَ يَهْتَدِي مِثْل هَذَا إِلَى الطَّرِيق أَوْ يَخْرُج مِمَّا هُوَ فِيهِ كَقَوْلِهِ " مَثَلهمْ كَمَثَلِ الَّذِي اِسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْله ذَهَبَ اللَّه بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَات لَا يُبْصِرُونَ صُمّ بُكْم عُمْي فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ" وَكَمَا قَالَ تَعَالَى " أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْر لُجِّيّ يَغْشَاهُ مَوْج مِنْ فَوْقه مَوْج مِنْ فَوْقه سَحَاب ظُلُمَات بَعْضهَا فَوْق بَعْض إِذَا أَخْرَجَ يَده لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَل اللَّه لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُور " وَلِهَذَا قَالَ " مَنْ يَشَأْ اللَّه يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلهُ عَلَى صِرَاط مُسْتَقِيم" أَيْ هُوَ الْمُتَصَرِّف فِي خَلْقه بِمَا يَشَاء .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَات مَنْ يَشَأْ اللَّه يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاط مُسْتَقِيم } . يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَاَلَّذِينَ كَذَّبُوا بِحُجَجِ اللَّه وَأَعْلَامه وَأَدِلَّته , صُمٌّ عَنْ سَمَاع الْحَقّ بُكْم عَنْ الْقِيل بِهِ { فِي الظُّلُمَات } يَعْنِي : فِي ظُلْمَة الْكُفْر حَائِر فِيهَا , يَقُول : هُوَ مُرْتَطِم فِي ظُلُمَات الْكُفْر , لَا يُبْصِر آيَات اللَّه فَيَعْتَبِر بِهَا , وَيَعْلَم أَنَّ الَّذِي خَلَقَهُ وَأَنْشَأَهُ فَدَبَّرَهُ وَأَحْكَمَ تَدْبِيره وَقَدَّرَهُ أَحْسَن تَقْدِير وَأَعْطَاهُ الْقُوَّة وَصَحَّحَ لَهُ آلَة جِسْمِهِ , لَمْ يَخْلُقْهُ عَبَثًا وَلَمْ يَتْرُكْهُ سُدًى , وَلَمْ يُعْطِهِ مَا أَعْطَاهُ مِنْ الْآلَات إِلَّا لِاسْتِعْمَالِهَا فِي طَاعَته وَمَا يُرْضِيه دُون مَعْصِيَته وَمَا يَسْخَطهُ , فَهُوَ لِحِيرَتِهِ فِي ظُلُمَات الْكُفْر وَتَرَدُّده فِي غَمَرَاتهَا , غَافِل عَمَّا اللَّه قَدْ أَثْبَتَ لَهُ فِي أُمّ الْكِتَاب وَمَا هُوَ بِهِ فَاعِل يَوْم يُحْشَر إِلَيْهِ مَعَ سَائِر الْأُمَم . ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُ الْمُضِلّ مَنْ يَشَاء إِضْلَاله مِنْ خَلْقه عَنْ الْإِيمَان إِلَى الْكُفْر وَالْهَادِي إِلَى الصِّرَاط الْمُسْتَقِيم مِنْهُمْ مَنْ أَحَبَّ هِدَايَته فَمُوَفِّقه بِفَضْلِهِ وَطَوْله لِلْإِيمَانِ بِهِ وَتَرْك الْكُفْر بِهِ وَبِرُسُلِهِ وَمَا جَاءَتْ بِهِ أَنْبِيَاؤُهُ , وَأَنَّهُ لَا يَهْتَدِي مِنْ خَلْقه أَحَد إِلَّا مَنْ سَبَقَ لَهُ فِي أُمّ الْكِتَاب السَّعَادَة , وَلَا يَضِلّ مِنْهُمْ أَحَد إِلَّا مَنْ سَبَقَ لَهُ فِيهَا الشَّقَاء , وَأَنَّ بِيَدِهِ الْخَيْر كُلَّهُ , وَإِلَيْهِ الْفَضْل كُلُّهُ , لَهُ الْخَلْق وَالْأَمْر . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ قَتَادَة . 10300 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { صُمٌّ وَبُكْمٌ } هَذَا مَثَل الْكَافِر أَصَمّ أَبْكَم , لَا يُبْصِر هُدًى وَلَا يَنْتَفِع بِهِ , صُمّ عَنْ الْحَقّ فِي الظُّلُمَات لَا يَسْتَطِيع مِنْهَا خُرُوجًا لَهُ مُتَسَكِّع فِيهَا .
مشاركة الموضوع