تفسير القرطبي

سورة الأنعام الآية ١٣

۞ وَلَهُۥ مَا سَكَنَ فِى ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ ۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ﴿١٣﴾
أَيْ ثَبَتَ , وَهَذَا اِحْتِجَاج عَلَيْهِمْ أَيْضًا . وَقِيلَ : نَزَلَتْ الْآيَة لِأَنَّهُمْ قَالُوا : عَلِمْنَا أَنَّهُ مَا يَحْمِلك عَلَى مَا تَفْعَل إِلَّا الْحَاجَة , فَنَحْنُ نَجْمَع لَك مِنْ أَمْوَالنَا حَتَّى تَصِير أَغْنَانَا ; فَقَالَ اللَّه تَعَالَى : أَخْبِرْهُمْ أَنَّ جَمِيع الْأَشْيَاء لِلَّهِ , فَهُوَ قَادِر عَلَى أَنْ يُغْنِينِي . و ( سَكَنَ ) مَعْنَاهُ هَدَأَ وَاسْتَقَرَّ ; وَالْمُرَاد مَا سَكَنَ وَمَا تَحَرَّكَ , فَحُذِفَ لِعِلْمِ السَّامِع . وَقِيلَ : خَصَّ السَّاكِن بِالذِّكْرِ لِأَنَّ مَا يَعُمّهُ السُّكُون أَكْثَر مِمَّا تَعُمّهُ الْحَرَكَة . وَقِيلَ الْمَعْنَى مَا خَلَقَ , فَهُوَ عَام فِي جَمِيع الْمَخْلُوقَات مُتَحَرِّكهَا وَسَاكِنهَا , فَإِنَّهُ يَجْرِي عَلَيْهِ اللَّيْل وَالنَّهَار ; وَعَلَى هَذَا فَلَيْسَ الْمُرَاد بِالسُّكُونِ ضِدّ الْحَرَكَة بَلْ الْمُرَاد الْخَلْق , وَهَذَا أَحْسَن مَا قِيلَ ; لِأَنَّهُ يَجْمَع شَتَات الْأَقْوَال .



لِأَصْوَاتِهِمْ



بِأَسْرَارِهِمْ .
اعلم أن هذه السورة الكريمة, قد اشتملت على تقرير التوحيد, بكل دليل عقلي, ونقلي.
بل كادت أن تكون كلها, في شأن التوحيد, ومجادلة المشركين بالله, المكذبين لرسوله.
فهذه الآيات, ذكر الله فيها, ما يتبين به الهدى, وينقمع به الشرك.
فذكر أن " لَهُ " تعالى " مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ " .
وذلك هو المخلوقات كلها من آدميها, وجنبها وملائكتها وحيوانتها وجماداتها.
فالكل خلق مدبرون, وعبيد مسخرون لربهم العظيم, القاهر المالك.
فهل يصح في عقل ونقل, أن يعبد من هؤلاء المماليك, الذي لا نفع عنده ولا ضر؟ ويترك الإخلاص للخالق, المدبر المالك الضار النافع؟!!.
أم العقول السليمة, والفطر.
المستقيمة, تدعو إلى إخلاص العبادة, والحب, والخوف, والرجاء لله رب العالمين؟!!.
" السَّمِيعُ " لجميع الأصوات, على اختلاف اللغات, بتفنن الحاجات.
" الْعَلِيمُ " بما كان, وما يكون وما لم يكن, لو كان كيف كان يكون, المطلع على الظواهر والبواطن؟!!.
ولله ملك كل شيء في السموات والأرض، سكن أو تحرك، خفي أو ظهر، الجميع عبيده وخلقه، وتحت قهره وتصرفه وتدبيره، وهو السميع لأقوال عباده، الحليم بحركاتهم وسرائرهم.
"وَلَهُ" تَعَالَى "مَا سَكَنَ" حَلَّ "فِي اللَّيْل وَالنَّهَار" أَيْ كُلّ شَيْء فَهُوَ رَبّه وَخَالِقه وَمَالِكه "وَهُوَ السَّمِيع" لِمَا يُقَال "الْعَلِيم" بِمَا يَفْعَل
وَهُوَ السَّمِيع الْعَلِيم " أَيْ السَّمِيع لِأَقْوَالِ عِبَاده الْعَلِيم بِحَرَكَاتِهِمْ وَضَمَائِرهمْ وَسَرَائِرهمْ ثُمَّ قَالَ تَعَالَى لِعَبْدِهِ وَرَسُوله مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي بَعَثَهُ بِالتَّوْحِيدِ الْعَظِيم وَبِالشَّرْعِ الْقَوِيم وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْعُو النَّاس إِلَى صِرَاط اللَّه الْمُسْتَقِيم .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْل وَالنَّهَار وَهُوَ السَّمِيع الْعَلِيم } يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ : لَا يُؤْمِن هَؤُلَاءِ الْعَادِلُونَ بِاَللَّهِ الْأَوْثَان , فَيُخْلِصُوا لَهُ التَّوْحِيد وَيُفْرِدُوا لَهُ الطَّاعَة وَيُقِرُّوا بِالْأُلُوهِيَّةِ جَهْلًا . { وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْل وَالنَّهَار } يَقُول : وَلَهُ مُلْك كُلّ شَيْء , لِأَنَّهُ لَا شَيْء مِنْ خَلْق اللَّه إِلَّا وَهُوَ سَاكِن اللَّيْل وَالنَّهَار , فَمَعْلُوم بِذَلِكَ أَنَّ مَعْنَاهُ مَا وَصَفْنَا . { وَهُوَ السَّمِيع } مَا يَقُول هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ فِيهِ مِنْ اِدِّعَائِهِمْ لَهُ شَرِيكًا , وَمَا يَقُول غَيْرهمْ مِنْ خِلَاف ذَلِكَ . { الْعَلِيم } بِمَا يُضْمِرُونَهُ فِي أَنْفُسهمْ وَمَا يُظْهِرُونَهُ بِجَوَارِحِهِمْ , لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْء مِنْ ذَلِكَ , فَهُوَ يُحْصِيه عَلَيْهِمْ , لِيُوَفِّيَ كُلّ إِنْسَان ثَوَاب مَا اِكْتَسَبَ وَجَزَاء مَا عَمِلَ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي تَأْوِيل قَوْله : { سَكَنَ } قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10212 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْل وَالنَّهَار } يَقُول : مَا اِسْتَقَرَّ فِي اللَّيْل وَالنَّهَار .
مشاركة الموضوع