تفسير القرطبي

سورة الأنعام الآية ١١

قُلْ سِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ ثُمَّ ٱنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ ﴿١١﴾
أَيْ قُلْ يَا مُحَمَّد لِهَؤُلَاءِ الْمُسْتَهْزِئِينَ الْمُسْتَسْخِرِينَ الْمُكَذِّبِينَ : سَافِرُوا فِي الْأَرْض فَانْظُرُوا وَاسْتَخْبِرُوا لِتَعْرِفُوا مَا حَلَّ بِالْكَفَرَةِ قَبْلكُمْ مِنْ الْعِقَاب وَأَلِيم الْعَذَاب وَهَذَا السَّفَر مَنْدُوب إِلَيْهِ إِذَا كَانَ عَلَى سَبِيل الِاعْتِبَار بِآثَارِ مَنْ خَلَا مِنْ الْأُمَم وَأَهْل الدِّيَار , وَالْعَاقِبَة آخِر الْأَمْر . وَالْمُكَذِّبُونَ هُنَا مَنْ كَذَّبَ الْحَقّ وَأَهْله لَا مَنْ كَذَّبَ بِالْبَاطِلِ .
" قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ " أي: فإن شككتم في ذلك, أو ارتبتم, فسيروا في الأرض, ثم انظروا, كيف كان عاقبة المكذبين, فلن تجدوا إلا قوما مهلكين, وأمما في المثلات تالفين.
قد أوحشت منهم المنازل, وعدم من تلك الربوع كل متمتع بالسرور نازل.
أبادهم الملك الجبار, وكان نبأهم عبرة لأولي الأبصار.
وهذا السير المأمور به, سير القلوب والأبدان, الذي يتولد منه - الاعتبار.
وأما مجرد النظر من غير اعتبار, فإن ذلك لا يفيد شيئا.
قل لهم -أيها الرسول-: سيروا في الأرض ثم انظروا كيف أعقب الله المكذبين الهلاك والخزي؟ فاحذروا مثل مصارعهم، وخافوا أن يحلَّ بكم مثل الذي حل بهم.
"قُلْ" لَهُمْ "سِيرُوا فِي الْأَرْض ثُمَّ اُنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَة الْمُكَذِّبِينَ" الرُّسُل مِنْ هَلَاكهمْ بِالْعَذَابِ لِيَعْتَبِرُوا
أَيْ فَكَّرُوا فِي أَنْفُسكُمْ وَانْظُرُوا مَا أَحَلَّ اللَّه بِالْقُرُونِ الْمَاضِيَة الَّذِينَ كَذَّبُوا رُسُله وَعَانَدُوهُمْ مِنْ الْعَذَاب وَالنَّكَال وَالْعُقُوبَة فِي الدُّنْيَا مَعَ مَا ادَّخَرَ لَهُمْ مِنْ الْعَذَاب الْأَلِيم فِي الْآخِرَة وَكَيْفَ نَجَّى رُسُله وَعِبَاده الْمُؤْمِنِينَ .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْض ثُمَّ اُنْظُرُوا كَيْف كَانَ عَاقِبَة الْمُكَذِّبِينَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ : قُلْ يَا مُحَمَّد لِهَؤُلَاءِ الْعَادِلِينَ بِي الْأَوْثَان وَالْأَنْدَاد الْمُكَذِّبِينَ بِك الْجَاحِدِينَ حَقِيقَة مَا جِئْتهمْ بِهِ مِنْ عِنْدِي : { سِيرُوا فِي الْأَرْض } يَقُول : جُولُوا فِي بِلَاد الْمُكَذِّبِينَ رُسُلهمْ الْجَاحِدِينَ آيَاتِي مَنْ قَبْلَهُمْ مِنْ ضُرَبَائِهِمْ وَأَشْكَالِهِمْ مِنْ النَّاس . { ثُمَّ اُنْظُرُوا كَيْف كَانَ عَاقِبَة الْمُكَذِّبِينَ } يَقُول : ثُمَّ اُنْظُرُوا كَيْف أَعْقَبَهُمْ تَكْذِيبهمْ ذَلِكَ الْهَلَاك وَالْعَطَب وَخِزْي الدُّنْيَا وَعَارهَا , وَمَا حَلَّ بِهِمْ مِنْ سَخَط اللَّه عَلَيْهِمْ مِنْ الْبَوَار وَخَرَاب الدِّيَار وَعَفْو الْآثَار . فَاعْتَبِرُوا بِهِ , إِنْ لَمْ تَنْهَكُمْ حُلُومكُمْ , وَلَمْ تَزْجُركُمْ حُجَج اللَّه عَلَيْكُمْ , عَمَّا أَنْتُمْ مُقِيمُونَ عَلَيْهِ مِنْ التَّكْذِيب , فَاحْذَرُوا مِثْل مَصَارِعهمْ وَاتَّقُوا أَنْ يَحِلّ بِكُمْ مِثْل الَّذِي حَلَّ بِهِمْ . وَكَانَ قَتَادَة يَقُول فِي ذَلِكَ بِمَا : 10203 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْض ثُمَّ اُنْظُرُوا كَيْف كَانَ عَاقِبَة الْمُكَذِّبِينَ } دَمَّرَ اللَّه عَلَيْهِمْ وَأَهْلَكَهُمْ ثُمَّ صَيَّرَهُمْ إِلَى النَّار .
مشاركة الموضوع