تفسير القرطبي

سورة الأنعام الآية ١٠٨

وَلَا تَسُبُّوا۟ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَيَسُبُّوا۟ ٱللَّهَ عَدْوًۢا بِغَيْرِ عِلْمٍۢ ۗ كَذَٰلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ﴿١٠٨﴾
نَهْي .


جَوَاب النَّهْي . فَنَهَى سُبْحَانه الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَسُبُّوا أَوْثَانهمْ ; لِأَنَّهُ عَلِمَ إِذَا سَبُّوهَا نَفَرَ الْكُفَّار وَازْدَادُوا كُفْرًا . قَالَ اِبْن عَبَّاس : قَالَتْ كُفَّار قُرَيْش لِأَبِي طَالِب إِمَّا أَنْ تَنْهَى مُحَمَّدًا وَأَصْحَابه عَنْ سَبّ آلِهَتنَا وَالْغَضّ مِنْهَا وَإِمَّا أَنْ نَسُبّ إِلَهه وَنَهْجُوهُ ; فَنَزَلَتْ الْآيَة .

قَالَ الْعُلَمَاء : حُكْمهَا بَاقٍ فِي هَذِهِ الْأُمَّة عَلَى كُلّ حَال ; فَمَتَى كَانَ الْكَافِر فِي مَنَعَة وَخِيفَ أَنْ يَسُبّ الْإِسْلَام أَوْ النَّبِيّ عَلَيْهِ السَّلَام أَوْ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ , فَلَا يَحِلّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَسُبّ صُلْبَانهمْ وَلَا دِينهمْ وَلَا كَنَائِسهمْ , وَلَا يَتَعَرَّض إِلَى مَا يُؤَدِّي إِلَى ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْبَعْث عَلَى الْمَعْصِيَة . وَعَبَّرَ عَنْ الْأَصْنَام وَهِيَ لَا تَعْقِل ب " الَّذِينَ " عَلَى مُعْتَقَد الْكَفَرَة فِيهَا .

فِي هَذِهِ الْآيَة أَيْضًا ضَرْب مِنْ الْمُوَادَعَة , وَدَلِيل عَلَى وُجُوب الْحُكْم بِسَدِّ الذَّرَائِع ; حَسْب مَا تَقَدَّمَ فِي " الْبَقَرَة " . وَفِيهَا دَلِيل عَلَى أَنَّ الْمُحِقّ قَدْ يَكُفّ عَنْ حَقّ لَهُ إِذَا أَدَّى إِلَى ضَرَر يَكُون فِي الدِّين . وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى مَا رُوِيَ عَنْ عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : لَا تَبُتُّوا الْحُكْم بَيْن ذَوِي الْقَرَابَات مَخَافَة الْقَطِيعَة . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : إِنْ كَانَ الْحَقّ وَاجِبًا فَيَأْخُذهُ بِكُلِّ حَال وَإِنْ كَانَ جَائِزًا فَفِيهِ يَكُون هَذَا الْقَوْل .



أَيْ جَهْلًا وَاعْتِدَاء . وَرُوِيَ عَنْ أَهْل مَكَّة أَنَّهُمْ قَرَءُوا " عُدُوًّا " بِضَمِّ الْعَيْن وَالدَّال وَتَشْدِيد الْوَاو , وَهِيَ قِرَاءَة الْحَسَن وَأَبِي رَجَاء وَقَتَادَة , وَهِيَ رَاجِعَة إِلَى الْقِرَاءَة الْأُولَى , وَهُمَا جَمِيعًا بِمَعْنَى الظُّلْم . وَقَرَأَ أَهْل مَكَّة أَيْضًا " عَدُوًّا " بِفَتْحِ الْعَيْن وَضَمّ الدَّال بِمَعْنَى عَدُوّ . وَهُوَ وَاحِد يُؤَدِّي عَنْ جَمْع ; كَمَا قَالَ : " فَإِنَّهُمْ عَدُوّ لِي إِلَّا رَبّ الْعَالَمِينَ " [ الشُّعَرَاء : 77 ] . وَقَالَ تَعَالَى : " هُمْ الْعَدُوّ " وَهُوَ مَنْصُوب عَلَى الْمَصْدَر أَوْ عَلَى الْمَفْعُول مِنْ أَجْله .


أَيْ كَمَا زَيَّنَّا لِهَؤُلَاءِ أَعْمَالهمْ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّة عَمَلهمْ . قَالَ اِبْن عَبَّاس . زَيَّنَّا لِأَهْلِ الطَّاعَة الطَّاعَة , وَلِأَهْلِ الْكُفْر الْكُفْر ; وَهُوَ كَقَوْلِهِ : " كَذَلِكَ يُضِلّ اللَّه مَنْ يَشَاء وَيَهْدِي مَنْ يَشَاء " [ الْمُدَّثِّر : 31 ] . وَفِي هَذَا رَدّ عَلَى الْقَدَرِيَّة .
ينهى الله المؤمنين, عن أمر كان جائزا, بل مشروعا في الأصل, وهو سب آلهة المشركين, التي اتخذت أوثانا وآلهة مع الله, التي يتقرب إلى الله بإهانتها وسبها.
ولكن لما كان هذا السبب, طريقا إلى سب المشركين لرب العالمين, الذي يجب تنزيه جنابه العظيم, عن كل عين, وآفة, وسب, وقدح - نهى الله عن سب آلهة المشركين, لأنهم يتحمسون لدينهم, ويتعصبون له.
لأن كل أمة, زين الله لهم عملهم, فرأوه حسنا, وذبوا عنه, ودافعوا بكل طريق.
حتى إنهم, يسبون الله, رب العالمين, الذي رسخت عظمته في قلوب الأبرار والفجار, إذا سب المسلون آلهتهم.
ولكن الخلق كلهم, مرجعهم ومآلهم, إلى الله يوم القيامة, يعرضون عليه, وتعرض أعمالهم, فينبئهم بما كانوا يعملون, من خير وشر.
وفي هذه الآية الكريمة, دليل للقاعدة الشرعية وهو أن الوسائل تعتبر بالأمور التي توصل إليها, وأن وسائل المحرم, ولو كانت جائزة, تكون محرمة, إذا كانت تفضي إلى الشر.
ولا تسبوا -أيها المسلمون- الأوثان التي يعبدها المشركون -سدًّا للذريعة- حتى لا يتسبب ذلك في سبهم الله جهلا واعتداءً: بغير علم. وكما حسَّنَّا لهؤلاء عملهم السيئ عقوبة لهم على سوء اختيارهم، حسَّنَّا لكل أمة أعمالها، ثم إلى ربهم معادهم جميعًا فيخبرهم بأعمالهم التي كانوا يعملونها في الدنيا، ثم يجازيهم بها.
"وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ" ـهُمْ "مِنْ دُون اللَّه" أَيْ الْأَصْنَام "فَيَسُبُّوا اللَّه عَدْوًا" اعْتِدَاء وَظُلْمًا "بِغَيْرِ عِلْم" أَيْ جَهْلًا مِنْهُمْ بِاَللَّهِ "كَذَلِكَ" كَمَا زَيَّنَّا لِهَؤُلَاءِ مَا هُمْ عَلَيْهِ "زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّة عَمَلهمْ" مِنْ الْخَيْر وَالشَّرّ فَأْتُوهُ "ثُمَّ إلَى رَبّهمْ مَرْجِعهمْ" فِي الْآخِرَة "فَيُنَبِّئهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ" فَيُجَازِيهِمْ بِهِ
يَقُول اللَّه تَعَالَى نَاهِيًا لِرَسُولِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُؤْمِنِينَ عَنْ سَبّ آلِهَة الْمُشْرِكِينَ وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَصْلَحَة إِلَّا أَنَّهُ يَتَرَتَّب عَلَيْهِ مَفْسَدَة أَعْظَم مِنْهَا وَهِيَ مُقَابَلَة الْمُشْرِكِينَ بِسَبِّ إِلَه الْمُؤْمِنِينَ وَهُوَ " اللَّه لَا إِلَه إِلَّا هُوَ " كَمَا قَالَ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي هَذِهِ الْآيَة قَالُوا يَا مُحَمَّد لَتَنْتَهِيَنَّ عَنْ سَبَّك آلِهَتنَا أَوْ لَنَهْجُوَنَّ رَبّك فَنَهَاهُمْ اللَّه أَنْ يَسُبُّوا أَوْثَانهمْ " فَيَسُبُّوا اللَّه عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْم " وَقَالَ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ قَتَادَة كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَسُبُّونَ أَصْنَام الْكُفَّار فَيَسُبّ الْكُفَّار اللَّه عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْم فَأَنْزَلَ اللَّه " وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُون اللَّه " وَرَوَى اِبْن جَرِير وَابْن أَبِي حَاتِم عَنْ السُّدِّيّ أَنَّهُ قَالَ فِي تَفْسِير هَذِهِ الْآيَة : لَمَّا حَضَرَ أَبَا طَالِب الْمَوْتُ قَالَتْ قُرَيْش اِنْطَلِقُوا فَلْنَدْخُلْ عَلَى هَذَا الرَّجُل فَلْنَأْمُرْهُ أَنْ يَنْهَى عَنَّا اِبْن أَخِيهِ فَإِنَّا نَسْتَحْيِي أَنْ نَقْتُلهُ بَعْد مَوْته فَتَقُول الْعَرَب كَانَ يَمْنَعهُمْ فَلَمَّا مَاتَ قَتَلُوهُ فَانْطَلَقَ أَبُو سُفْيَان وَأَبُو جَهْل وَالنَّضْر بْن الْحَارِث وَأُمَيَّة وَأُبَيّ اِبْنَا خَلَف وَعُقْبَة بْن أَبِي مُعَيْط وَعَمْرو بْن الْعَاصِ وَالْأَسْوَد بْن البَّخْتَرِيّ وَبَعَثُوا رَجُلًا مِنْهُمْ يُقَال لَهُ الْمُطَّلِب قَالُوا اِسْتَأْذِنْ لَنَا عَلَى أَبِي طَالِب فَأَتَى أَبَا طَالِب فَقَالَ : هَؤُلَاءِ مَشْيَخَة قَوْمك يُرِيدُونَ الدُّخُول عَلَيْك فَأَذِنَ لَهُمْ عَلَيْهِ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا يَا أَبَا طَالِب أَنْتَ كَبِيرنَا وَسَيِّدنَا وَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ آذَانَا وَآذَى آلِهَتنَا فَنُحِبّ أَنْ تَدْعُوهُ فَتَنْهَاهُ عَنْ ذِكْر آلِهَتنَا وَلْنَدَعهُ وَإِلَهه فَدَعَاهُ فَجَاءَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُ أَبُو طَالِب هَؤُلَاءِ قَوْمك وَبَنُو عَمّك قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا تُرِيدُونَ ؟ قَالُوا نُرِيد أَنْ تَدَعنَا وَآلِهَتنَا وَلْنَدَعك وَإِلَهك فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَعْطَيْتُكُمْ هَذَا هَلْ أَنْتُمْ مُعْطِيّ كَلِمَة إِنْ تَكَلَّمْتُمْ بِهَا مَلَكْتُمْ بِهَا الْعَرَب وَدَانَتْ لَكُمْ بِهَا الْعَجَم وَأَدَّتْ لَكُمْ الْخَرَاج قَالَ أَبُو جَهْل وَأَبِيك لَأُعْطِيَنَّكهَا وَعَشَرَة أَمْثَالهَا قَالُوا فَمَا هِيَ ؟ قَالَ : قُولُوا لَا إِلَه إِلَّا اللَّه فَأَبَوْا وَاشْمَأَزُّوا قَالَ أَبُو طَالِب يَا اِبْن أَخِي قُلْ غَيْرهَا . فَإِنَّ قَوْمك قَدْ فَزِعُوا مِنْهَا قَالَ يَا عَمّ مَا أَنَا بِاَلَّذِي يَقُول غَيْرهَا حَتَّى يَأْتُوا بِالشَّمْسِ فَيَضَعُوهَا فِي يَدِي وَلَوْ أَتَوْا بِالشَّمْسِ فَوَضَعُوهَا فِي يَدِي مَا قُلْت غَيْرهَا إِرَادَة أَنْ يُؤَيِّسهُمْ فَغَضِبُوا وَقَالُوا لَتَكُفَّنَّ عَنْ شَتْم آلِهَتنَا أَوْ لَنَشْتُمَنَّكَ وَنَشْتُمَنَّ مَنْ يَأْمُرك فَذَلِكَ قَوْله " فَيَسُبُّوا اللَّه عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْم " وَمِنْ هَذَا الْقَبِيل وَهُوَ تَرْك الْمَصْلَحَة لِمَفْسَدَةٍ أَرْجَح مِنْهَا مَا جَاءَ فِي الصَّحِيح أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَلْعُون مَنْ سَبَّ وَالِدَيْهِ قَالُوا يَا رَسُول اللَّه وَكَيْفَ يَسُبّ الرَّجُل وَالِدَيْهِ ؟ قَالَ يَسُبّ أَبَا الرَّجُل فَيَسُبّ أَبَاهُ وَيَسُبّ أُمّه فَيَسُبّ أُمّه أَوْ كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَوْله " كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّة عَمَلهمْ" أَيْ وَكَمَا زَيَّنَّا لِهَؤُلَاءِ الْقَوْم حُبّ أَصْنَامهمْ وَالْمُحَامَاة لَهَا وَالِانْتِصَار كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّة أَيْ مِنْ الْأُمَم الْخَالِيَة عَلَى الضَّلَال عَمَلهمْ الَّذِي كَانُوا فِيهِ وَلِلَّهِ الْحُجَّة الْبَالِغَة وَالْحِكْمَة التَّامَّة فِيمَا يَشَاؤُهُ وَيَخْتَارهُ" ثُمَّ إِلَى رَبّهمْ مَرْجِعهمْ " أَيْ مَعَادهمْ وَمَصِيرهمْ " فَيُنَبِّئهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ " أَيْ يُجَازِيهِمْ بِأَعْمَالِهِمْ إِنْ خَيْرًا فَخَيْر وَإِنْ شَرًّا فَشَرّ .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُون اللَّه فَيَسُبُّوا اللَّه عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْم } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ بِهِ : وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُو الْمُشْرِكُونَ مِنْ دُون اللَّه مِنْ الْآلِهَة وَالْأَنْدَاد , فَيَسُبّ الْمُشْرِكُونَ اللَّهَ جَهْلًا مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ وَاعْتِدَاء بِغَيْرِ عِلْم . كَمَا : 10691 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَة بْن صَالِح , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُون اللَّه فَيَسُبُّوا اللَّه عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْم } قَالَ : قَالُوا : يَا مُحَمَّد لَتَنْتَهِيَن عَنْ سَبِّ آلِهَتِنَا أَوْ لَأَهْجُوَنَّ رَبَّك ! فَنَهَاهُمْ اللَّه أَنْ يَسُبُّوا أَوْثَانَهُمْ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ . 10692 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثَنَا يَزِيد قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُون اللَّه فَيَسُبُّوا اللَّه عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْم } كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَسُبُّونَ أَوْثَان الْكُفَّار , فَيَرُدُّونَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ , فَنَهَاهُمْ اللَّه أَنْ يَسْتَسِبُّوا لِرَبِّهِمْ , فَإِنَّهُمْ قَوْم جَهَلَة لَا عِلْم لَهُمْ بِاَللَّهِ . 10693 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُون اللَّه فَيَسُبُّوا اللَّه عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْم } قَالَ : لَمَّا حَضَرَ أَبَا طَالِب الْمَوْتُ , قَالَتْ قُرَيْش : اِنْطَلِقُوا بِنَا , فَلْنَدْخُلْ عَلَى هَذَا الرَّجُل فَلْنَأْمُرْهُ أَنْ يَنْهَى عَنَّا اِبْن أَخِيهِ , فَإِنَّا نَسْتَحِي أَنْ نَقْتُلَهُ بَعْد مَوْتِهِ , فَتَقُول الْعَرَب : كَانَ يَمْنَعهُ فَلَمَّا مَاتَ قَتَلُوهُ ! فَانْطَلَقَ أَبُو سُفْيَان , وَأَبُو جَهْل , وَالنُّضْر بْن الْحَارِث , وَأُمِّيَّة وَأُبَيّ اِبْنَا خَلَف , وَعُقْبَة بْن أَبِي مُعَيْط , وَعَمْرو بْن الْعَاص , وَالْأَسْوَد بْن الْبَخْتَرِيّ , وَبَعَثُوا رَجُلًا مِنْهُمْ يُقَال لَهُ الْمُطَّلِب , قَالُوا : اِسْتَأْذِنْ عَلَى أَبِي طَالِب ! فَأَتَى أَبَا طَالِب فَقَالَ : هَؤُلَاءِ مَشْيَخَة قَوْمِك , يُرِيدُونَ الدُّخُول عَلَيْك . فَأَذِنَ لَهُمْ , فَدَخَلُوا عَلَيْهِ , فَقَالُوا : يَا أَبَا طَالِب , أَنْتَ كَبِيرُنَا وَسَيِّدُنَا , وَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ آذَانَا وَآذَى آلِهَتَنَا , فَنُحِبّ أَنْ تَدْعُوهُ فَتَنْهَاهُ عَنْ ذِكْر آلِهَتنَا , وَلْنَدَعْهُ وَإِلَهَهُ . فَدَعَاهُ , فَجَاءَ النَّبِيّ , فَقَالَ لَهُ أَبُو طَالِب : هَؤُلَاءِ قَوْمُك وَبَنُو عَمِّك . قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَا تُرِيدُونَ ؟ " قَالُوا : نُرِيد أَنْ تَدَعَنَا وَآلِهَتَنَا وَنَدَعَك وَإِلَهَك . قَالَ لَهُ أَبُو طَالِب : قَدْ أَنْصَفَك قَوْمُك , فَاقْبَلْ مِنْهُمْ ! فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَعْطَيْتُكُمْ هَذَا هَلْ أَنْتُمْ مُعْطِيَّ كَلِمَةً إِنْ تَكَلَّمْتُمْ بِهَا مَلَكْتُمْ الْعَرَب , وَدَانَتْ لَكُمْ بِهَا الْعَجَمُ بِالْخَرَاجِ ؟ " قَالَ أَبُو جَهْل : نَعَمْ وَأَبِيك لَأُعْطِيَنَّكَهَا وَعَشْرَ أَمْثَالِهَا , فَمَا هِيَ ؟ قَالَ : " قُولُوا : لَا إِلَه إِلَّا اللَّه ! " فَأَبَوْا وَاشْمَأَزُّوا . قَالَ أَبُو طَالِب : يَا اِبْن أَخِي قُلْ غَيْرهَا , فَإِنَّ قَوْمَك قَدْ فَزِعُوا مِنْهَا ! قَالَ : " يَا عَمّ مَا أَنَا بِاَلَّذِي أَقُول غَيْرهَا حَتَّى يَأْتُوا بِالشَّمْسِ فَيَضَعُوهَا فِي يَدِي , وَلَوْ أَتَوْنِي بِالشَّمْسِ فَوَضَعُوهَا فِي يَدِي مَا قُلْت غَيْرهَا " . إِرَادَة أَنْ يُؤَيِّسَهُمْ . فَغَضِبُوا وَقَالُوا : لَتَكُفَّن عَنْ شَتْمِك آلِهَتَنَا , أَوْ لَنَشْتُمَنَّكَ وَلَنَشْتُمَنَّ مَنْ يَأْمُرك ! فَذَلِكَ قَوْله { فَيَسُبُّوا اللَّه عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْم } . - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَسُبُّونَ أَصْنَام الْكُفَّار فَيَسُبّ الْكُفَّار اللَّه عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْم , فَأَنْزَلَ اللَّه : { وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُون اللَّه فَيَسُبُّوا اللَّه عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْم } . 10694 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { فَيَسُبُّوا اللَّه عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْم } قَالَ : إِذَا سَبَبْت إِلَهَهُ سَبَّ إِلَهك , فَلَا تَسُبُّوا آلِهَتَهُمْ . وَأَجْمَعَتْ الْحُجَّة مِنْ قُرَّاء الْأَمْصَار عَلَى قِرَاءَة ذَلِكَ : { فَيَسُبُّوا اللَّه عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْم } بِفَتْحِ الْعَيْن وَتَسْكِين الدَّال , وَتَخْفِيف الْوَاو مِنْ قَوْله : { عَدْوًا } عَلَى أَنَّهُ مَصْدَر مِنْ قَوْل الْقَائِل : عَدَا فُلَان عَلَى فُلَان : إِذَا ظَلَمَهُ وَاعْتَدَى عَلَيْهِ , يَعْدُو عَدْوًا وَعُدْوَانًا , وَالِاعْتِدَاء : إِنَّمَا هُوَ اِفْتِعَال مِنْ ذَلِكَ . رُوِيَ عَنْ الْحَسَن الْبَصْرِيّ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأ ذَلِكَ : " عَدْوًا " مُشَدَّدَة الْوَاو . 10695 - حَدَّثَنِي بِذَلِكَ أَحْمَد بْن يُوسُف , قَالَ : ثَنَا الْقَاسِم بْن سَلَّام , قَالَ : ثَنَا حَجَّاج , عَنْ هَارُون , عَنْ عُثْمَان بْن سَعْد : { فَيَسُبُّوا اللَّه عَدُوًّا } مَضْمُومَة الْعَيْن مُثَقَّلَة . وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ بَعْض الْبَصْرِيِّينَ أَنَّهُ قَرَأَ ذَلِكَ : " فَيَسُبُّوا اللَّه عَدُوًّا " يُوَجِّه تَأْوِيله إِلَى أَنَّهُمْ جَمَاعَة , كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبّ الْعَالَمِينَ } 26 77 , وَكَمَا قَالَ : { لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوّكُمْ أَوْلِيَاء } 60 1 وَيُجْعَل نَصْب " الْعَدُوّ " حِينَئِذٍ عَلَى الْحَال مِنْ ذِكْر الْمُشْرِكِينَ فِي قَوْله : { فَيَسُبُّوا } . فَيَكُون تَأْوِيل الْكَلَام : وَلَا تَسُبُّوا أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَدْعُو الْمُشْرِكُونَ مِنْ دُون اللَّه , فَيَسُبّ الْمُشْرِكُونَ اللَّه أَعْدَاء اللَّه بِغَيْرِ عِلْم . وَإِذَا كَانَ التَّأْوِيل هَكَذَا كَانَ الْعَدُوّ مِنْ صِفَة الْمُشْرِكِينَ وَنَعْتِهِمْ , كَأَنَّهُ قِيلَ : فَيَسُبّ الْمُشْرِكُونَ أَعْدَاء اللَّه بِغَيْرِ عِلْم , وَلَكِنَّ الْعَدُوّ لَمَّا خَرَجَ مَخْرَج النَّكِرَة وَهُوَ نَعْت لِلْمَعْرِفَةِ نُصِبَ عَلَى الْحَال . وَالصَّوَاب مِنْ الْقِرَاءَة عِنْدِي فِي ذَلِكَ قِرَاءَة مَنْ قَرَأَ بِفَتْحِ الْعَيْن وَتَخْفِيف الْوَاو لِإِجْمَاعِ الْحُجَّة مِنْ الْقُرَّاء عَلَى قِرَاءَة ذَلِكَ كَذَلِكَ , وَغَيْر جَائِز خِلَافهَا فِيمَا جَاءَتْ مُجْمَعَة عَلَيْهِ .

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : كَمَا زَيَّنَّا لِهَؤُلَاءِ الْعَادِلِينَ بِرَبِّهِمْ الْأَوْثَان وَالْأَصْنَام عِبَادَة الْأَوْثَان وَطَاعَة الشَّيْطَان بِخِذْلَانِنَا إِيَّاهُمْ عَنْ طَاعَة الرَّحْمَن , كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ جَمَاعَة اِجْتَمَعَتْ عَلَى عَمَل مِنْ الْأَعْمَال مِنْ طَاعَة اللَّه وَمَعْصِيَته عَمَلهمْ الَّذِي هُمْ عَلَيْهِ مُجْتَمِعُونَ , ثُمَّ مَرْجِعهمْ بَعْد ذَلِكَ وَمَصِيرهمْ إِلَى رَبّهمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ , يَقُول : فَيُوقِفهُمْ وَيُخْبِرهُمْ بِأَعْمَالِهِمْ الَّتِي كَانُوا يَعْمَلُونَ بِهَا فِي الدُّنْيَا , ثُمَّ يُجَازِيهِمْ بِهَا إِنْ كَانَ خَيْرًا فَخَيْر وَإِنْ كَانَ شَرًّا فَشَرّ , أَوْ يَعْفُو بِفَضْلِهِ مَا لَمْ يَكُنْ شِرْكًا أَوْ كُفْرًا .
مشاركة الموضوع