تفسير القرطبي

سورة الأنعام الآية ١٠

وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍۢ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِٱلَّذِينَ سَخِرُوا۟ مِنْهُم مَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ ﴿١٠﴾
ثُمَّ قَالَ مُؤْنِسًا لِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام وَمُعَزِّيًا : " وَلَقَدْ اُسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلك فَحَاقَ " أَيْ نَزَلَ بِأُمَمِهِمْ مِنْ الْعَذَاب مَا أُهْلِكُوا بِهِ جَزَاء اِسْتِهْزَائِهِمْ بِأَنْبِيَائِهِمْ . حَاقَ بِالشَّيْءِ يَحِيق حَيْقًا وَحُيُوقًا وَحَيْقَانًا نَزَلَ ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : " وَلَا يَحِيق الْمَكْر السَّيِّئ إِلَّا بِأَهْلِهِ " [ فَاطِر : 43 ] .

و " مَا " فِي قَوْله : " مَا كَانُوا " بِمَعْنَى الَّذِي وَقِيلَ : بِمَعْنَى الْمَصْدَر أَيْ حَاقَ بِهِمْ عَاقِبَة اِسْتِهْزَائِهِمْ .
يقول تعالى - مسليا لرسوله, ومصبرا ومتهددا أعداءه, ومتوعدا.
" وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ " لما جاءوا أممهم بالبينات, كذبوهم واستهزأوا بهم, وبما جاءوا به.
فأهلكهم الله بذلك الكفر والتكذيب, ووفر لهم من العذاب أكمل نصيب.
" فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ " فاحذروا - أيها, المكذبون - أن تستمروا على تكذيبكم, فيصيبكم ما أصابهم.
ولمَّا كان طلبهم إنزال الملك على سبيل الاستهزاء بمحمد صلى الله عليه وسلم بيَّن الله تعالى له أن الاستهزاء بالرسل عليهم السلام ليس أمرا حادثا، بل قد وقع من الكفار السابقين مع أنبيائهم، فأحاط بهم العذاب الذي كانوا يهزؤون به وينكرون وقوعه.
"وَلَقَدْ اُسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلك" فِيهِ تَسْلِيَة لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "فَحَاقَ" نَزَلَ "بِاَلَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ" وَهُوَ الْعَذَاب فَكَذَا يَحِيق بِمَنْ اسْتَهْزَأَ بِك
هَذِهِ تَسْلِيَة لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تَكْذِيب مَنْ كَذَّبَهُ مِنْ قَوْمه وَوَعْد لَهُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِهِ بِالنُّصْرَةِ وَالْعَاقِبَة الْحَسَنَة فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَقَدْ اُسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِك فَحَاقَ بِاَلَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُسَلِّيًا عَنْهُ بِوَعِيدِهِ الْمُسْتَهْزِئِينَ بِهِ عُقُوبَة مَا يَلْقَى مِنْهُمْ مِنْ أَذَى الِاسْتِهْزَاء بِهِ وَالِاسْتِخْفَاف فِي ذَات اللَّه : هَوِّنْ عَلَيْك يَا مُحَمَّد مَا أَنْتَ لَاقٍ مِنْ هَؤُلَاءِ الْمُسْتَهْزِئِينَ بِك الْمُسْتَخِفِّينَ بِحَقِّك فِيَّ وَفِي طَاعَتِي , وَامْضِ لِمَا أَمَرْتُك بِهِ مِنْ الدُّعَاء إِلَى تَوْحِيدِي وَالْإِقْرَار بِي وَالْإِذْعَان لِطَاعَتِي ; فَإِنَّهُمْ إِنْ تَمَادَوْا فِي غَيِّهِمْ وَأَصَرُّوا عَلَى الْمَقَام عَلَى كُفْرهمْ , نَسْلك بِهِمْ سَبِيل أَسْلَافهمْ مِنْ سَائِر الْأُمَم غَيْرهمْ مِنْ تَعْجِيل النِّقْمَة لَهُمْ وَحُلُول الْمَثُلَات بِهِمْ , فَقَدْ اِسْتَهْزَأَتْ أُمَم مِنْ قَبْلك بِرُسُلٍ أَرْسَلْتهمْ إِلَيْهِمْ بِمِثْلِ الَّذِي أَرْسَلْتُك بِهِ إِلَى قَوْمك , وَفَعَلُوا مِثْل فِعْل قَوْمك بِك , { فَحَاقَ بِاَلَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ } يَعْنِي بِقَوْلِهِ : { فَحَاقَ } فَنَزَلَ وَأَحَاطَ بِاَلَّذِينَ هَزِئُوا بِرُسُلِهِمْ { مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ } يَقُول : الْعَذَاب الَّذِي كَانُوا يَهْزَءُونَ بِهِ وَيُنْكِرُونَ أَنْ يَكُون وَاقِعًا بِهِمْ عَلَى مَا أَنْذَرَتْهُمْ رُسُلهمْ . يُقَال مِنْهُ : حَاقَ بِهِمْ هَذَا الْأَمْر يَحِيق بِهِمْ حَيْقًا وَحُيُوقًا وَحَيَقَانًا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ جَمَاعَة مِنْ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10202 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { فَحَاقَ بِاَلَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ } مِنْ الرُّسُل , { مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ } يَقُول : وَقَعَ بِهِمْ الْعَذَاب الَّذِي اِسْتَهْزَءُوا بِهِ .
مشاركة الموضوع