تفسير القرطبي

سورة الواقعة الآية ٩٥

إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ حَقُّ ٱلْيَقِينِ ﴿٩٥﴾
أَيْ هَذَا الَّذِي قَصَصْنَاهُ مَحْض الْيَقِين وَخَالِصه . وَجَازَ إِضَافَة الْحَقّ إِلَى الْيَقِين وَهُمَا وَاحِد لِاخْتِلَافِ لَفْظهمَا . قَالَ الْمُبَرِّد : هُوَ كَقَوْلِك عَيْن الْيَقِين وَمَحْض الْيَقِين , فَهُوَ مِنْ بَاب إِضَافَة الشَّيْء إِلَى نَفْسه عِنْد الْكُوفِيِّينَ . وَعِنْد الْبَصْرِيِّينَ حَقّ الْأَمْر الْيَقِين أَوْ الْخَبَر الْيَقِين . وَقِيلَ : هُوَ تَوْكِيد . وَقِيلَ : أَصْل الْيَقِين أَنْ يَكُون نَعْتًا ل ( الْحَقّ ) فَأُضِيفَ الْمَنْعُوت إِلَى النَّعْت عَلَى الِاتِّسَاع وَالْمَجَاز , كَقَوْلِهِ : " وَلَدَار الْآخِرَة " [ يُوسُف : 109 ] وَقَالَ قَتَادَة فِي هَذِهِ الْآيَة : إِنَّ اللَّه لَيْسَ بِتَارِكٍ أَحَدًا مِنْ النَّاس حَتَّى يَقِفهُ عَلَى الْيَقِين مِنْ هَذَا الْقُرْآن , فَأَمَّا الْمُؤْمِن فَأَيْقَنَ فِي الدُّنْيَا فَنَفَعَهُ ذَلِكَ يَوْم الْقِيَامَة , وَأَمَّا الْكَافِر فَأَيْقَنَ يَوْم الْقِيَامَة حِين لَا يَنْفَعهُ الْيَقِين .
إن هذا الذي قصصناه عليك- يا محمد- لهو حق اليقين الذي لا مرية فيه,
إن هذا الذي قصصناه عليك -أيها الرسول- لهو حق اليقين الذي لا مرية فيه، فسبِّح باسم ربك العظيم، ونزِّهه عما يقول الظالمون والجاحدون، تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا.
"إنَّ هَذَا لَهُوَ حَقّ الْيَقِين" مِنْ إضَافَة الْمَوْصُوف إلَى صِفَته
قَالَ تَعَالَى " إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقّ الْيَقِين " أَيْ إِنَّ هَذَا الْخَبَر لَهُوَ حَقّ الْيَقِين الَّذِي لَا مِرْيَة فِيهِ وَلَا مَحِيد لِأَحَدٍ عَنْهُ .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقّ الْيَقِين } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : إِنَّ هَذَا الَّذِي أَخْبَرْتُكُمْ بِهِ أَيّهَا النَّاس مِنْ الْخَبَر عَنْ الْمُقَرَّبِينَ وَأَصْحَاب الْيَمِين , وَعَنْ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ , وَمَا إِلَيْهِ صَائِرَة أُمُورهمْ { لَهُوَ حَقّ الْيَمِين } يَقُول : لَهُوَ الْحَقّ مِنْ الْخَبَر الْيَقِين لَا شَكَّ فِيهِ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 26005 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد { إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقّ الْيَقِين } قَالَ : الْخَبَر الْيَقِين . 26006 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ فَنُزُل مِنْ حَمِيم وَتَصْلِيَة جَحِيم إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقّ الْيَقِين } حَتَّى خَتَمَ , إِنَّ اللَّه تَعَالَى لَيْسَ تَارِكًا أَحَدًا مِنْ خَلْقه حَتَّى يُوقِفهُ عَلَى الْيَقِين مِنْ هَذَا الْقُرْآن . فَأَمَّا الْمُؤْمِن فَأَيْقَنَ فِي الدُّنْيَا , فَنَفَعَهُ ذَلِكَ يَوْم الْقِيَام . وَأَمَّا الْكَافِر , فَأَيْقَنَ يَوْم الْقِيَامَة حِين لَا يَنْفَعهُ . وَاخْتَلَفَ أَهْل الْعَرَبِيَّة فِي وَجْه إِضَافَة الْحَقّ إِلَى الْيَقِين , وَالْحَقّ يَقِين , فَقَالَ بَعْض نَحْوِيِّي الْبَصْرَة , قَالَ : حَقّ الْيَقِين , فَأَضَافَ الْحَقّ إِلَى الْيَقِين , كَمَا قَالَ : { ذَلِكَ دِين الْقَيِّمَة } 98 5 أَيْ ذَلِكَ دِين الْمِلَّة الْقَيِّمَة , وَذَلِكَ حَقّ الْأَمْر الْيَقِين . قَالَ : وَأَمَّا هَذَا رَجُل السَّوْء , فَلَا يَكُون فِيهِ هَذَا الرَّجُل السَّوْء , كَمَا يَكُون فِي الْحَقّ الْيَقِين , لِأَنَّ السَّوْء لَيْسَ بِالرَّجُلِ , وَالْيَقِين هُوَ الْحَقّ . وَقَالَ بَعْض أَهْل الْكُوفَة : الْيَقِين نَعْت لِلْحَقِّ , كَأَنَّهُ قَالَ : الْحَقّ الْيَقِين , وَالدِّين الْقَيِّم , فَقَدْ جَاءَ مِثْله فِي كَثِير مِنْ الْكَلَام وَالْقُرْآن { وَلَدَار الْآخِرَة } 12 109 16 30 { وَالدَّار الْآخِرَة } 7 169 33 29 قَالَ : فَإِذَا أُضِيف تُوُهِّمَ بِهِ غَيْر الْأَوَّل .
مشاركة الموضوع