تفسير القرطبي

سورة القمر الآية ١٤

تَجْرِى بِأَعْيُنِنَا جَزَآءًۭ لِّمَن كَانَ كُفِرَ ﴿١٤﴾
أَيْ بِمَرْأَى مِنَّا . وَقِيلَ : بِأَمْرِنَا . وَقِيلَ : بِحِفْظٍ مِنَّا وَكِلَاءَة : وَقَدْ مَضَى فِي " هُود " . وَمِنْهُ قَوْل النَّاس لِلْمُوَدَّعِ : عَيْن اللَّه عَلَيْك ; أَيْ حِفْظه وَكِلَاءَته . وَقِيلَ : بِوَحْيِنَا . وَقِيلَ : أَيْ بِالْأَعْيُنِ النَّابِعَة مِنْ الْأَرْض . وَقِيلَ : بِأَعْيُنِ أَوْلِيَائِنَا مِنْ الْمَلَائِكَة الْمُوَكَّلِينَ بِحِفْظِهَا , وَكُلّ مَا خَلَقَ اللَّه تَعَالَى يُمْكِن أَنْ يُضَاف إِلَيْهِ . وَقِيلَ : أَيْ تَجْرِي بِأَوْلِيَائِنَا , كَمَا فِي الْخَبَر : مَرِضَ عَيْن مِنْ عُيُوننَا فَلَمْ تَعُدْهُ .

أَيْ جَعَلْنَا ذَلِكَ ثَوَابًا وَجَزَاء لِنُوحٍ عَلَى صَبْره عَلَى أَذَى قَوْمه وَهُوَ الْمَكْفُور بِهِ ; فَاللَّام فِي " لِمَنْ " لَام الْمَفْعُول لَهُ ; وَقِيلَ : " كُفِرَ " أَيْ جَحَدَ ; فـ " ـمَنْ " كِنَايَة عَنْ نُوح . وَقِيلَ : كِنَايَة عَنْ اللَّه وَالْجَزَاء بِمَعْنَى الْعِقَاب ; أَيْ عِقَابًا لِكُفْرِهِمْ بِاَللَّهِ تَعَالَى . وَقَرَأَ يَزِيد بْن رُومَان وَقَتَادَة وَمُجَاهِد وَحُمَيْد " جَزَاء لِمَنْ كَانَ كَفَرَ " بِفَتْحِ الْكَاف وَالْفَاء بِمَعْنَى : كَانَ الْغَرَق جَزَاء وَعِقَابًا لِمَنْ كَفَرَ بِاَللَّهِ , وَمَا نَجَا مِنْ الْغَرَق غَيْر عُوج بْن عُنُق ; كَانَ الْمَاء إِلَى حُجْزَته . وَسَبَب نَجَاته أَنَّ نُوحًا اِحْتَاجَ إِلَى خَشَبَة السَّاج لِبِنَاءِ السَّفِينَة فَلَمْ يُمْكِنهُ حَمْلهَا , فَحَمَلَ عُوج تِلْكَ الْخَشَبَة إِلَيْهِ مِنْ الشَّام فَشَكَرَ اللَّه لَهُ ذَلِكَ , وَنَجَّاهُ مِنْ الْغَرَق .
تجري بمرأى منا وحفظ, وأغرقنا المكذبين جزاء لهم على كفرهم وانتصارا لنوح عليه السلام.
وفي هذا دليل على إثبات صفة العينين لله سبحانه وتعالى, كما يليق به
وحملنا نوحًا ومَن معه على سفينة ذات ألواح ومسامير شُدَّت بها، تجري بمرأى منا وحفظ، وأغرقنا المكذبين؛ جزاء لهم على كفرهم وانتصارًا لنوح عليه السلام. وفي هذا دليل على إثبات صفة العينين لله سبحانه وتعالى، كما يليق به.
"تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا" بِمَرْأَى مِنَّا أَيْ مَحْفُوظَة "جَزَاء" مَنْصُوب بِفِعْلٍ مُقَدَّر أَيْ أُغْرِقُوا انْتِصَارًا "لِمَنْ كَانَ كُفِرَ" وَهُوَ نُوح عَلَيْهِ السَّلَام وَقُرِئَ كَفَرَ بِالْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ أَيْ أُغْرِقُوا عِقَابًا لَهُمْ
أَيْ بِأَمْرِنَا بِمَرْأًى مِنَّا وَتَحْت حِفْظِنَا وَكِلَاءَتنَا " جَزَاء لِمَنْ كَانَ كُفِرَ " أَيْ جَزَاء لَهُمْ . عَلَى كُفْرهمْ بِاَللَّهِ وَانْتِصَارًا لِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَام .
وَقَوْله : { تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا } يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : تَجْرِي السَّفِينَة الَّتِي حَمَلْنَا نُوحًا فِيهَا بِمَرْأًى مِنَّا وَمَنْظَر , وَذُكِرَ عَنْ سُفْيَان فِي تَأْوِيل ذَلِكَ مَا : 25346 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا مِهْرَان , عَنْ سُفْيَان , فِي قَوْله : { تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا } يَقُول : بِأَمْرِنَا { جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ } . اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيله : فَقَالَ بَعْضهمْ : تَأْوِيله فَعَلْنَا ذَلِكَ ثَوَابًا لِمَنْ كَانَ كُفِرَ فِيهِ , بِمَعْنَى : كَفَرَ بِاللَّهِ فِيهِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 25347 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد { جَزَاء لِمَنْ كَانَ كُفِرَ } قَالَ : كَفَرَ بِاللَّهِ. * وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد { جَزَاء لِمَنْ كَانَ كُفِرَ } قَالَ : لِمَنْ كَانَ كَفَرَ فِيهِ . وَوَجَّهَ آخَرُونَ مَعْنَى " مَنْ " إِلَى مَعْنَى " مَا " فِي هَذَا الْمَوْضِع , وَقَالُوا : مَعْنَى الْكَلَام : جَزَاء لِمَا كَانَ كُفِرَ مِنْ أَيَادِي اللَّه وَنِعَمِهِ عِنْد الَّذِينَ أَهْلَكَهُمْ وَغَرَّقَهُمْ مِنْ قَوْم نُوح . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 25348 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , فِي قَوْله : { جَزَاء لِمَنْ كَانَ كُفِرَ } قَالَ : لِمَنْ كَانَ كَفَرَ نِعَمَ اللَّه , وَكَفَرَ بِأَيَادِيهِ وَآلَائِهِ وَرُسُله وَكُتُبه , فَإِنَّ ذَلِكَ جَزَاء لَهُ . وَالصَّوَاب مِنَ الْقَوْل مِنْ ذَلِكَ عِنْدِي مَا قَالَهُ مُجَاهِد , وَهُوَ أَنَّ مَعْنَاهُ : فَفَتَحْنَا أَبْوَاب السَّمَاء بِمَاءٍ مُنْهَمِر , وَفَجَّرْنَا الْأَرْض عُيُونًا , فَغَرَّقْنَا قَوْم نُوح , وَنَجَّيْنَا نُوحًا عِقَابًا مِنَ اللَّه وَثَوَابًا لِلَّذِي جَحَدَ وَكَفَرَ ; لِأَنَّ مَعْنَى الْكُفْر : الْجُحُود , وَالَّذِي جَحَدَ أُلُوهَتَهُ وَوَحْدَانِيَّتَهُ قَوْم نُوح , فَقَالَ بَعْضهمْ لِبَعْضٍ : { لَا تَذَرُنَّ آلِهَتكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوث وَيَعُوق وَنَسْرًا } 71 23 وَمَنْ ذَهَبَ بِهِ إِلَى هَذَا التَّأْوِيل , كَانَتْ مِنْ اللَّه , كَأَنَّهُ قِيلَ : عُوقِبُوا لِلَّهِ وَلِكُفْرِهِمْ بِهِ . وَلَوْ وَجَّهَ مُوَجِّه إِلَى أَنَّهَا مُرَاد بِهَا نُوح وَالْمُؤْمِنُونَ بِهِ كَانَ مَذْهَبًا , فَيَكُون مَعْنَى الْكَلَام حِينَئِذٍ , فَعَلْنَا ذَلِكَ جَزَاء لِنُوحٍ وَلِمَنْ كَانَ مَعَهُ فِي الْفُلْك , كَأَنَّهُ قِيلَ : غَرَّقْنَاهُمْ لِنُوحٍ وَلِصَنِيعِهِمْ بِنُوحٍ مَا صَنَعُوا مِنْ كُفْرِهِمْ بِهِ .
مشاركة الموضوع