تفسير القرطبي

سورة النجم الآية ٥٤

فَغَشَّىٰهَا مَا غَشَّىٰ ﴿٥٤﴾
أَيْ أَلْبَسَهَا مَا أَلْبَسَهَا مِنْ الْحِجَارَة ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : " فَجَعَلْنَا عَالِيهَا سَافِلهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَة مِنْ سِجِّيل " [ الْحِجْر : 74 ] وَقِيلَ : إِنَّ الْكِنَايَة تَرْجِع إِلَى جَمِيع هَذِهِ الْأُمَم ; أَيْ غَشَّاهَا مِنْ الْعَذَاب مَا غَشَّاهُمْ , وَأَبْهَمَ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمْ أُهْلِكَ بِضَرْبٍ غَيْر مَا أُهْلِكَ بِهِ الْآخَر . وَقِيلَ : هَذَا تَعْظِيم الْأَمْر .
فألبسها ما ألبسها من الحجارة.
وأنه سبحانه وتعالى أهلك عادًا الأولى، وهم قوم هود، وأهلك ثمود، وهم قوم صالح، فلم يُبْقِ منهم أحدًا، وأهلك قوم نوح قبلُ. هؤلاء كانوا أشد تمردًا وأعظم كفرًا من الذين جاؤوا من بعدهم. ومدائن قوم لوط قلبها الله عليهم، وجعل عاليها سافلها، فألبسها ما ألبسها من الحجارة.
"فَغَشَّاهَا" مِنْ الْحِجَارَة بَعْد ذَلِكَ "مَا غَشَّى" أُبْهِمَ تَهْوِيلًا وَفِي هُود : "جَعَلْنَا عَالِيهَا سَافِلهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَة مِنْ سِجِّيل"
قَالَ فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى يَعْنِي مِنْ الْحِجَارَة الَّتِي أَرْسَلَهَا عَلَيْهِمْ " وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَر الْمُنْذَرِينَ " قَالَ قَتَادَة كَانَ فِي مَدَائِن لُوط أَرْبَعَة آلَاف أَلْف إِنْسَان فَانْضَرَمَ عَلَيْهِمْ الْوَادِي شَيْئًا مِنْ نَار وَنَفْط وَقَطْرَانٍ كَفَمِ الْأَتُون . رَوَاهُ اِبْن أَبِي حَاتِم عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُحَمَّد بْن وَهْب بْن عَطِيَّة عَنْ الْوَلِيد بْن مُسْلِم عَنْ خُلَيْد عَنْهُ بِهِ وَهُوَ غَرِيب جِدًّا.
وَقَوْله : { فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى } يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ : فَغَشَّى اللَّه الْمُؤْتَفِكَة مِنْ الْحِجَارَة الْمَنْضُودَة الْمُسَوَّمَة مَا غَشَّاهَا , فَأَمْطَرَهَا إِيَّاهُ مِنْ سِجِّيل . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 25271 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى } غَشَّاهَا صَخْرًا مَنْضُودًا . * - حَدَّثَنَا ابْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا ابْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة { فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى } قَالَ : الْحِجَارَة . 25272 -حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , فِي قَوْله : { فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى } قَالَ : الْحِجَارَة الَّتِي رَمَاهُمْ بِهَا مِنْ السَّمَاء .
مشاركة الموضوع