تفسير القرطبي

سورة النجم الآية ٢١

أَلَكُمُ ٱلذَّكَرُ وَلَهُ ٱلْأُنثَىٰ ﴿٢١﴾
قَالَ عَلَى جِهَة التَّقْرِيع وَالتَّوْبِيخ : " أَلَكُمْ الذَّكَر وَلَهُ الْأُنْثَى " رَدًّا عَلَيْهِمْ قَوْلهمْ : الْمَلَائِكَة بَنَات اللَّه , وَالْأَصْنَام بَنَات اللَّه .
أتجعلون لكم الذكر الذي ترضونه, تجعلون لله بزعمكم الأنثى التي لا ترضونها لأنفسكم؟
أتجعلون لكم الذَّكر الذي ترضونه، وتجعلون لله بزعمكم الأنثى التي لا ترضونها لأنفسكم؟ تلك إذًا قسمة جائرة. ما هذه الأوثان إلا أسماء ليس لها من أوصاف الكمال شيء، إنما هي أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم بمقتضى أهوائكم الباطلة، ما أنزل الله بها مِن حجة تصدق دعواكم فيها. ما يتبع هؤلاء المشركون إلا الظن، وهوى أنفسهم المنحرفة عن الفطرة السليمة، ولقد جاءهم من ربهم على لسان النبي صلى الله عليه وسلم، ما فيه هدايتهم، فما انتفعوا به.
أَيْ أَتَجْعَلُونَ لَهُ وَلَدًا وَتَجْعَلُونَ وَلَدَهُ أُنْثَى وَتَخْتَارُونَ لِأَنْفُسِكُمْ الذُّكُور .
وَقَوْله : { أَلَكُمُ الذَّكَر وَلَهُ الْأُنْثَى } يَقُول : أَتَزْعُمُونَ أَنَّ لَكُمُ الذَّكَرَ الَّذِي تَرْضَوْنَهُ , وَلِلَّهِ الْأُنْثَى الَّتِي لَا تَرْضَوْنَهَا لِأَنْفُسِكُمْ { تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى } يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : قِسْمَتُكُمْ هَذِهِ قِسْمَة جَائِرَة غَيْر مُسْتَوِيَة , نَاقِصَة غَيْر تَامَّة ; لِأَنَّكُمْ جَعَلْتُمْ لِرَبِّكُمْ مِنَ الْوَلَد مَا تَكْرَهُونَ لِأَنْفُسِكُمْ , وَآثَرْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِمَا تَرْضَوْنَهُ , وَالْعَرَب تَقُول : ضِزْته حَقَّهُ بِكَسْرِ الضَّاد , وَضُزْتُهُ بِضَمِّهَا فَأَنَا أَضِيزُهُ وَأَضُوزُهُ , وَذَلِكَ إِذَا نَقَصْته حَقَّهُ وَمَنَعْته وَحُدِّثْت عَنْ مَعْمَر بْن الْمُثَنَّى قَالَ : أَنْشَدَنِي الْأَخْفَش : فَإِنْ تَنَأَ عَنَّا نَنْتَقِصْك وَإِنْ تَغِبْ فَسَهْمُك مَضْئُوزٌ وَأَنْفُك رَاغِمُ وَمِنَ الْعَرَب مَنْ يَقُول : ضَيْزَى بِفَتْحِ الضَّاد وَتَرْك الْهَمْز فِيهَا ; وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُول : ضَأْزَى بِالْفَتْحِ وَالْهَمْز , وَضُؤْزَى بِالضَّمِّ وَالْهَمْز , وَلَمْ يَقْرَأْ أَحَد بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ اللُّغَات , وَأَمَّا الضِّيزَى بِالْكَسْرِ فَإِنَّهَا فُعْلَى بِضَمِّ الْفَاء , وَإِنَّمَا كُسِرَتْ الضَّاد مِنْهَا كَمَا كُسِرَتْ مِنْ قَوْلهمْ : قَوْم بِيض وَعِين , وَهِيَ " فُعْل " لِأَنَّ وَاحِدهَا : بَيْضَاء وَعَيْنَاء لِيُؤَلِّفُوا بَيْن الْجَمْع وَالِاثْنَيْنِ وَالْوَاحِد , وَكَذَلِكَ كَرِهُوا ضَمَّ الضَّاد مِنْ ضِيزَى , فَتَقُول : ضُوزَى , مَخَافَة أَنْ تَصِير بِالْوَاوِ وَهِيَ مِنَ الْيَاء , وَقَالَ الْفَرَّاء : إِنَّمَا قَضَيْت عَلَى أَوَّلِهَا بِالضَّمِّ ; لِأَنَّ النُّعُوت لِلْمُؤَنَّثِ تَأْتِي إِمَّا بِفَتْحٍ , وَإِمَّا بِضَمٍّ ; فَالْمَفْتُوح : سَكْرَى وَعَطْشَى ; وَالْمَضْمُوم : الْأُنْثَى وَالْحُبْلَى ; فَإِذَا كَانَ اسْمًا لَيْسَ بِنَعْتٍ كُسِرَ أَوَّلُهُ , كَقَوْلِهِ : { وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ } 51 55 كُسِرَ أَوَّلهَا , لِأَنَّهَا اسْم لَيْسَ بِنَعْتٍ , وَكَذَلِكَ الشِّعْرَى كُسِرَ أَوَّلُهَا ; لِأَنَّهَا اسْمٌ لَيْسَ بِنَعْتٍ. وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي تَأْوِيل قَوْله : { قِسْمَةٌ ضِيزَى } قَالَ أَهْل التَّأْوِيل , وَإِنِ اخْتَلَفَتْ أَلْفَاظُهُمْ بِالْعِبَارَةِ عَنْهَا , فَقَالَ بَعْضهمْ : قِسْمَة عَوْجَاء . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 25188 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى } قَالَ : عَوْجَاء . وَقَالَ آخَرُونَ : قِسْمَةٌ جَائِرَةٌ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 25189 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { تِلْكَ إِذًا قِسْمَة ضِيزَى } يَقُول : قِسْمَة جَائِرَة . * - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة { قِسْمَة ضِيزَى } قَالَ : قِسْمَة جَائِرَة . 25190 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن حَفْص أَبُو عُبَيْد الْوِصَائِيّ , قَالَ : ثنا ابْن حَمِيد , قَالَ : ثنا ابْن لَهِيعَة , عَنِ ابْن عَمْرَة , عَنْ عِكْرِمَة , عَنِ ابْن عَبَّاس , فِي قَوْله : { تِلْكَ إِذًا قِسْمَة ضِيزَى } قَالَ : تِلْكَ إِذًا قِسْمَة جَائِرَة لَا حَقّ فِيهَا . وَقَالَ آخَرُونَ : قِسْمَة مَنْقُوصَة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 25191 - حَدَّثَنَا ابْن حَمِيد , قَالَ : ثنا مِهْرَانَ , عَنْ سُفْيَان { تِلْكَ إِذًا قِسْمَة ضِيزَى } قَالَ : مَنْقُوصَة . وَقَالَ آخَرُونَ : قِسْمَة مُخَالِفَة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 25192 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , فِي قَوْله : { تِلْكَ إِذًا قِسْمَة ضِيزَى } قَالَ : جَعَلُوا لِلَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بَنَات , وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَة لِلَّهِ بَنَات , وَعَبَدُوهُمْ , وَقَرَأَ { أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُق بَنَات وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ وَإِذَا بُشِّرَ } 43 16 : 17 الْآيَة , وَقَرَأَ { وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَات } 16 57 إِلَى آخِر الْآيَة , وَقَالَ : دَعَوْا لِلَّهِ وَلَدًا , كَمَا دَعَتِ الْيَهُود وَالنَّصَارَى , وَقَرَأَ { كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلهمْ } 2 118 قَالَ : وَالضِّيزَى فِي كَلَام الْعَرَب : الْمُخَالِفَة , وَقَرَأَ { إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ } .
مشاركة الموضوع