تفسير القرطبي

سورة الطور الآية ٢٨

إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ ۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْبَرُّ ٱلرَّحِيمُ ﴿٢٨﴾
أَيْ فِي الدُّنْيَا بِأَنْ يَمُنّ عَلَيْنَا بِالْمَغْفِرَةِ عَنْ تَقْصِيرنَا . وَقِيلَ : " نَدْعُوهُ " أَيْ نَعْبُدهُ .

وَقَرَأَ نَافِع وَالْكِسَائِيّ " أَنَّهُ " بِفَتْحِ الْهَمْزَة ; أَيْ لِأَنَّهُ . الْبَاقُونَ بِالْكَسْرِ عَلَى الِابْتِدَاء . و " الْبَرّ " اللَّطِيف ; قَالَهُ اِبْن عَبَّاس . وَعَنْهُ أَيْضًا : أَنَّهُ الصَّادِق فِيمَا وَعَدَ . وَقَالَهُ اِبْن جُرَيْج .
إنا كنا من قبل نضرع إليه وحده لا نشرك معه غيره أن يقينا عذاب السموم ويوصلنا إلى النعيم , فاستجاب لنا وأعطانا سؤالنا, إنه هو البر الرحيم.
فمن بره ورحمته إيانا أنالنا رضاه والجنة, ووقانا من سخطه والنار.
وأقبل أهل الجنة، يسأل بعضهم بعضًا عن عظيم ما هم فيه وسببه، قالوا: إنا كنا قبل في الدنيا- ونحن بين أهلينا- خائفين ربنا، مشفقين من عذابه وعقابه يوم القيامة. فمنَّ الله علينا بالهداية والتوفيق، ووقانا عذاب سموم جهنم، وهو نارها وحرارتها. إنا كنا من قبلُ نضرع إليه وحده لا نشرك معه غيره أن يقينا عذاب السَّموم ويوصلنا إلى النعيم، فاستجاب لنا وأعطانا سؤالنا، إنه هو البَرُّ الرحيم. فمن بِره ورحمته إيانا أنالنا رضاه والجنة، ووقانا مِن سخطه والنار.
"إنَّا كُنَّا مِنْ قَبْل" أَيْ فِي الدُّنْيَا "نَدْعُوهُ" نَعْبُدهُ مُوَحِّدِينَ "إنَّهُ" بِالْكَسْرِ اسْتِئْنَافًا وَإِنْ كَانَ تَعْلِيلًا مَعْنَى وَبِالْفَتْحِ تَعْلِيلًا لَفْظًا "هُوَ الْبَرّ" الْمُحْسِن الصَّادِق فِي وَعْده "الرَّحِيم" الْعَظِيم الرَّحْمَة
وَقَدْ وَرَدَ فِي هَذَا الْمَقَام حَدِيث رَوَاهُ الْحَافِظ أَبُو بَكْر الْبَزَّار فِي مُسْنَده فَقَالَ حَدَّثَنَا سَلَمَة بْن شَبِيب حَدَّثَنَا سَعِيد بْن دِينَار حَدَّثَنَا الرَّبِيع بْن صُبَيْح عَنْ الْحَسَن عَنْ أَنَس قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " إِذَا دَخَلَ أَهْل الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ اِشْتَاقُوا إِلَى الْإِخْوَان فَيَجِيء سَرِير هَذَا حَتَّى يُحَاذِيَ سَرِيرَ هَذَا فَيَتَحَدَّثَانِ فَيَتَّكِئ هَذَا وَيَتَّكِئ هَذَا فَيَتَحَدَّثَانِ بِمَا كَانَ فِي الدُّنْيَا فَيَقُول أَحَدهمَا لِصَاحِبِهِ يَا فُلَانُ تَدْرِي أَيَّ يَوْم غَفَرَ اللَّه لَنَا ؟ يَوْم كُنَّا فِي مَوْضِع كَذَا وَكَذَا فَدَعَوْنَا اللَّه عَزَّ وَجَلَّ فَغَفَرَ لَنَا " ثُمَّ قَالَ الْبَزَّار لَا نَعْرِفُهُ يُرْوَى إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَاد قُلْت وَسَعِيد بْن دِينَار الدِّمَشْقِيّ قَالَ أَبُو حَاتِم هُوَ مَجْهُول وَشَيْخه الرَّبِيع بْن صُبَيْح وَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ غَيْر وَاحِد مِنْ جِهَة حِفْظِهِ وَهُوَ رَجُل صَالِح ثِقَة فِي نَفْسه . وَقَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم حَدَّثَنَا عَمْرو بْن عَبْد اللَّه الْأَوْدِيّ حَدَّثَنَا وَكِيع عَنْ الْأَعْمَش عَنْ أَبِي الضُّحَى عَنْ مَسْرُوق عَنْ عَائِشَة أَنَّهَا قَرَأَتْ هَذِهِ الْآيَة " فَمَنَّ اللَّه عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَاب السَّمُوم إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيم " فَقَالَتْ اللَّهُمَّ مُنَّ عَلَيْنَا وَقِنَا عَذَاب السَّمُوم إِنَّك أَنْتَ الْبَرّ الرَّحِيم . قِيلَ لِلْأَعْمَشِ فِي الصَّلَاة ؟ قَالَ نَعَمْ .
وَقَوْله : { إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ } يَقُول : إِنَّا كُنَّا فِي الدُّنْيَا مِنْ قَبْل يَوْمنَا هَذَا نَدْعُوهُ : نَعْبُدهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين , لَا نُشْرِك بِهِ شَيْئًا { إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ } يَعْنِي : اللَّطِيف بِعِبَادِهِ . كَمَا : 25057 - حَدَّثَنَا عَلِيّ , قَالَ : ثنا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنِ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { إِنَّهُ هُوَ الْبَرّ } يَقُول : اللَّطِيف . وَقَوْله : { الرَّحِيم } يَقُول : الرَّحِيم بِخَلْقِهِ أَنْ يُعَذِّبهُمْ بَعْد تَوْبَتِهِمْ. وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة قَوْله : { إِنَّهُ هُوَ الْبَرّ } فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْمَدِينَة " أَنَّهُ " بِفَتْحِ الْأَلِف , بِمَعْنَى : إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ لِأَنَّهُ هُوَ الْبَرّ , أَوْ بِأَنَّهُ هُوَ الْبَرُّ , وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّة قُرَّاء الْكُوفَة وَالْبَصْرَة بِالْكَسْرِ عَلَى الِابْتِدَاء . وَالصَّوَاب مِنَ الْقَوْل فِي ذَلِكَ , أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ , فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئ فَمُصِيب.
مشاركة الموضوع