تفسير القرطبي

سورة الطور الآية ٢٤

۞ وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌۭ لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌۭ مَّكْنُونٌۭ ﴿٢٤﴾
أَيْ بِالْفَوَاكِهِ وَالتُّحَف وَالطَّعَام وَالشَّرَاب ; وَدَلِيله : " يُطَاف عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَب " [ الزُّخْرُف : 71 ] , " يُطَاف عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِين " [ الصَّافَّات : 45 ] . ثُمَّ قِيلَ : هُمْ الْأَطْفَال مِنْ أَوْلَادهمْ الَّذِينَ سَبَقُوهُمْ , فَأَقَرَّ اللَّه تَعَالَى بِهِمْ أَعْيُنهمْ . وَقِيلَ : إِنَّهُمْ مَنْ أَخْدَمَهُمْ اللَّه تَعَالَى إِيَّاهُمْ مِنْ أَوْلَاد غَيْرهمْ . وَقِيلَ : هُمْ غِلْمَان خُلِقُوا فِي الْجَنَّة . قَالَ الْكَلْبِيّ : لَا يَكْبَرُونَ أَبَدًا

فِي الْحُسْن وَالْبَيَاض

فِي الصَّدَف , وَالْمَكْنُون الْمَصُون . وَقَوْله تَعَالَى : " يَطُوف عَلَيْهِمْ وِلْدَان مُخَلَّدُونَ " [ الْوَاقِعَة : 17 ] . قِيلَ : هُمْ أَوْلَاد الْمُشْرِكِينَ وَهُمْ خَدَم أَهْل الْجَنَّة . وَلَيْسَ فِي الْجَنَّة نَصَب وَلَا حَاجَة إِلَى خِدْمَة , وَلَكِنَّهُ أُخْبِرَ بِأَنَّهُمْ عَلَى نِهَايَة النَّعِيم . وَعَنْ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا : أَنَّ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( إِنَّ أَدْنَى أَهْل الْجَنَّة مَنْزِلَة مَنْ يُنَادِي الْخَادِم مِنْ خَدَمه فَيُجِيبهُ أَلْف كُلّهمْ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ ) . وَعَنْ عَبْد اللَّه بْن عُمَر قَالَ : قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَا مِنْ أَحَد مِنْ أَهْل الْجَنَّة إِلَّا يَسْعَى عَلَيْهِ أَلْف غُلَام كُلّ غُلَام عَلَى عَمَل لَيْسَ عَلَيْهِ صَاحِبه ) . وَعَنْ الْحَسَن أَنَّهُمْ قَالُوا : يَا رَسُول اللَّه إِذَا كَانَ الْخَادِم كَاللُّؤْلُؤِ فَكَيْف يَكُون الْمَخْدُوم ؟ فَقَالَ : ( مَا بَيْنهمَا كَمَا بَيْن الْقَمَر لَيْلَة الْبَدْر وَبَيْن أَصْغَر الْكَوَاكِب ) . قَالَ الْكِسَائِيّ : كَنَنْت الشَّيْء سَتَرْته وَصُنْته مِنْ الشَّمْس , وَأَكْنَنْته فِي نَفْسِي أَسْرَرْته . وَقَالَ أَبُو زَيْد : كَنَنْته وَأَكْنَنْته بِمَعْنًى فِي الْكِنّ وَفِي النَّفْس جَمِيعًا ; تَقُول : كَنَنْت الْعِلْم وَأَكْنَنْته فَهُوَ مَكْنُون وَمُكَنّ . وَكَنَنْت الْجَارِيَة وَأَكْنَنْتهَا فَهِيَ مَكْنُونَة وَمُكَنَّة .
ويطوف عليهم غلمان معدون لخدمتهم, كأنهم في الصفاء والبياض والتناسق لؤلؤ مصون في أصدافه.
ويطوف عليهم غلمان مُعَدُّون لخدمتهم، كأنهم في الصفاء والبياض والتناسق لؤلؤ مصون في أصدافه.
"وَيَطُوف عَلَيْهِمْ" لِلْخِدْمَةِ "غِلْمَان" أَرِقَّاء "لَهُمْ كَأَنَّهُمْ" حُسْنًا وَلَطَافَة "لُؤْلُؤ مَكْنُون" مَصُون فِي الصَّدَف لِأَنَّهُ فِيهَا أَحْسَن مِنْهُ فِي غَيْرهَا
وَقَوْله تَعَالَى " وَيَطُوف عَلَيْهِمْ غِلْمَان لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤ مَكْنُون " إِخْبَار عَنْ خَدَمِهِمْ وَحَشَمِهِمْ فِي الْجَنَّة كَأَنَّهُمْ اللُّؤْلُؤ الرَّطْب الْمَكْنُون فِي حُسْنهمْ وَبِهَائِهِمْ وَنَظَافَتهمْ وَحُسْن مَلَابِسهمْ كَمَا قَالَ " وَيَطُوف عَلَيْهِمْ وِلْدَان مُخَلَّدُونَ بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْس مِنْ مَعِين" .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَيَطُوف عَلَيْهِمْ غِلْمَان لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤ مَكْنُونٌ } يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَيَطُوف عَلَى هَؤُلَاءِ الْقَوْم الَّذِينَ وَصَفَ صِفَتَهُمْ فِي الْجَنَّة غِلْمَان لَهُمْ , كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤ فِي بَيَاضه وَصَفَائِهِ مَكْنُون , يَعْنِي : مَصُون فِي كِنّ , فَهُوَ أَنْقَى لَهُ , وَأَصْفَى لِبَيَاضِهِ , وَإِنَّمَا عَنَى بِذَلِكَ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْغِلْمَان يَطُوفُونَ عَلَى هَؤُلَاءِ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْجَنَّة بِكُؤُوسِ الشَّرَاب الَّتِي وَصَفَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ صِفَتَهَا , وَقَدْ : 25054 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة قَوْله : { وَيَطُوف عَلَيْهِمْ غِلْمَان لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤ مَكْنُون } ذُكِرَ لَنَا أَنَّ رَجُلًا قَالَ : يَا نَبِيّ اللَّه هَذَا الْخَادِم , فَكَيْفَ الْمَخْدُوم ؟ قَالَ : " وَالَّذِي نَفْس مُحَمَّد بِيَدِهِ , إِنَّ فَضْل الْمَخْدُوم عَلَى الْخَادِم كَفَضْلِ الْقَمَر لَيْلَة الْبَدْر عَلَى سَائِر الْكَوَاكِب " . * وَحَدَّثَنَا ابْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا ابْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله : { كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤ مَكْنُون } قَالَ : بَلَغَنِي أَنَّهُ قِيلَ : يَا رَسُول اللَّه هَذَا الْخَادِم مِثْل اللُّؤْلُؤ , فَكَيْفَ الْمَخْدُوم ؟ قَالَ : " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ فَضْل مَا بَيْنهمَا كَفَضْلِ الْقَمَر لَيْلَة الْبَدْر عَلَى النُّجُوم " .
مشاركة الموضوع