تفسير القرطبي

سورة الذاريات الآية ٨

إِنَّكُمْ لَفِى قَوْلٍۢ مُّخْتَلِفٍۢ ﴿٨﴾
هَذَا جَوَاب الْقَسَم الَّذِي هُوَ " وَالسَّمَاء " أَيْ إِنَّكُمْ يَا أَهْل مَكَّة " فِي قَوْل مُخْتَلِف " فِي مُحَمَّد وَالْقُرْآن فَمِنْ مُصَدِّق وَمُكَذِّب . وَقِيلَ : نَزَلَتْ فِي الْمُقْتَسِمِينَ . وَقِيلَ : اِخْتِلَافهمْ قَوْلهمْ سَاحِر بَلْ شَاعِر بَلْ اِفْتَرَاهُ بَلْ هُوَ مَجْنُون بَلْ هُوَ كَاهِن بَلْ هُوَ أَسَاطِير الْأَوَّلِينَ . وَقِيلَ : اِخْتِلَافهمْ أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ نَفَى الْحَشْر وَمِنْهُمْ مَنْ شَكَّ فِيهِ . وَقِيلَ : الْمُرَاد عَبَدَة الْأَوْثَان وَالْأَصْنَام يُقِرُّونَ بِأَنَّ اللَّه خَالِقهمْ وَيَعْبُدُونَ غَيْره .
إنكم- أيها المكذبون- لفي قول مضطرب في هذا القرآن, وفي الرسول صلى الله عليه وسلم.
وأقسم الله تعالى بالسماء ذات الخَلْق الحسن، إنكم- أيها المكذبون- لفي قول مضطرب في هذا القرآن، وفي الرسول صلى الله عليه وسلم. يُصرف عن القرآن والرسول صلى الله عليه وسلم مَن صُرف عن الإيمان بهما؛ لإعراضه عن أدلة الله وبراهينه اليقينية فلم يوفَّق إلى الخير.
"إنَّكُمْ" يَا أَهْل مَكَّة فِي شَأْن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْقُرْآن "لَفِي قَوْل مُخْتَلِف" قِيلَ شَاعِر سَاحِر كَاهِن شِعْر سِحْر كَهَانَة
أَيْ إِنَّكُمْ أَيّهَا الْمُشْرِكُونَ الْمُكَذِّبُونَ لِلرُّسُلِ لَفِي قَوْل مُخْتَلِف مُضْطَرِب لَا يَلْتَئِم وَلَا يَجْتَمِع وَقَالَ قَتَادَة إِنَّكُمْ لَفِي قَوْل مُخْتَلِف مَا بَيْن مُصَدِّق بِالْقُرْآنِ وَمُكَذِّب بِهِ .
وَقَوْله : { إِنَّكُمْ لَفِي قَوْل مُخْتَلِف } يَقُول : إِنَّكُمْ أَيّهَا النَّاس لَفِي قَوْل مُخْتَلِف فِي هَذَا الْقُرْآن , فَمِنْ مُصَدِّق بِهِ وَمُكَذِّب . كَمَا : 24821 - حَدَّثَنَا ابْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا ابْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة { إِنَّكُمْ لَفِي قَوْل مُخْتَلِف } قَالَ : مُصَدِّق بِهَذَا الْقُرْآن وَمُكَذِّب . 24822 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , فِي قَوْله : { إِنَّكُمْ لَفِي قَوْل مُخْتَلِف } قَالَ : يَتَخَرَّصُونَ يَقُولُونَ : هَذَا سِحْر , وَيَقُولُونَ : هَذَا أَسَاطِيرُ , فَبِأَيِّ قَوْلهمْ يُؤْخَذ , قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ هَذَا الرَّجُل لَا بُدّ لَهُ مِنْ أَنْ يَكُون فِيهِ أَحَد هَؤُلَاءِ , فَمَا لَكُمْ لَا تَأْخُذُونَ أَحَد هَؤُلَاءِ , وَقَدْ رَمَيْتُمُوهُ بِأَقَاوِيلَ شَتَّى , فَبِأَيِّ هَذَا الْقَوْل تَأْخُذُونَ , فَهُوَ قَوْل مُخْتَلِف . قَالَ : فَذَكَرَ أَنَّهُ تَخَرُّص مِنْهُمْ لَيْسَ لَهُمْ بِذَلِكَ عِلْم قَالُوا : فَمَا مَنَعَ هَذَا الْقُرْآن أَنْ يَنْزِل بِاللِّسَانِ الَّذِي نَزَلَتْ بِهِ الْكُتُب مِنْ قَبْلك , فَقَالَ اللَّه : أَعْجَمِيّ وَعَرَبِيّ ؟ لَوْ جَعَلْنَا هَذَا الْقُرْآن أَعْجَمِيًّا لَقُلْتُمْ نَحْنُ عَرَب وَهَذَا الْقُرْآن أَعْجَمِيّ , فَكَيْف يَجْتَمِعَانِ .
مشاركة الموضوع