تفسير القرطبي

سورة الذاريات الآية ٤٤

فَعَتَوْا۟ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّٰعِقَةُ وَهُمْ يَنظُرُونَ ﴿٤٤﴾
أَيْ خَالَفُوا أَمْر اللَّه فَعَقَرُوا النَّاقَة

أَيْ الْمَوْت . وَقِيلَ : هِيَ كُلّ عَذَاب مُهْلِك . قَالَ الْحُسَيْن بْن وَاقِد : كُلّ صَاعِقَة فِي الْقُرْآن فَهُوَ الْعَذَاب . وَقَرَأَ عُمَر بْن الْخَطَّاب وَحُمَيْد وَابْن مُحَيْصِن وَمُجَاهِد وَالْكِسَائِيّ " الصَّعْقَة " يُقَال صَعِقَ الرَّجُل صَعْقَة وَتَصْعَاقًا أَيْ غُشِيَ عَلَيْهِ . وَصَعَقَتْهُمْ السَّمَاء أَيْ أَلْقَتْ عَلَيْهِمْ الصَّاعِقَة . وَالصَّاعِقَة أَيْضًا صَيْحَة الْعَذَاب وَقَدْ مَضَى فِي " الْبَقَرَة " وَغَيْرهَا .

إِلَيْهَا نَهَارًا .
فعصوا أمر ربهم, فأخذتهم صاعقة العذاب, وهم ينظرون إلى عقوبتهم بأعينهم.
وفي شأن ثمود وإهلاكهم آيات وعبر، إذ قيل لهم: انتفعوا بحياتكم حتى تنتهي آجالكم. فعصوا أمر ربهم، فأخذتهم صاعقة العذاب، وهم ينظرون إلى عقوبتهم بأعينهم.
"فَعَتَوْا" تَكَبَّرُوا "عَنْ أَمْر رَبّهمْ" أَيْ عَنْ امْتِثَاله "فَأَخَذَتْهُمْ الصَّاعِقَة" بَعْد مُضِيّ الثَّلَاثَة أَيَّام أَيْ الصَّيْحَة الْمُهْلِكَة "وَهُمْ يَنْظُرُونَ" أَيْ بِالنَّهَارِ
" وَفِي ثَمُود إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِين " قَالَ اِبْن جَرِير يَعْنِي إِلَى وَقْت فَنَاء آجَالكُمْ وَالظَّاهِر أَنَّ هَذِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى " وَأَمَّا ثَمُود فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَة الْعَذَاب الْهُون" وَهَكَذَا قَالَ هَهُنَا " وَفِي ثَمُود إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِين فَعَتَوْا عَنْ أَمْر رَبّهمْ فَأَخَذَتْهُمْ الصَّاعِقَة وَهُمْ يَنْظُرُونَ " وَذَلِكَ أَنَّهُمْ اِنْتَظَرُوا الْعَذَاب ثَلَاثَة أَيَّام فَجَاءَهُمْ فِي صَبِيحَة الْيَوْم الرَّابِع بُكْرَةَ النَّهَار.
يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَفِي ثَمُود أَيْضًا لَهُمْ عِبْرَة وَمُتَّعَظ , إِذْ قَالَ لَهُمْ رَبّهمْ , يَقُول : فَتَكَبَّرُوا عَنْ أَمْر رَبّهمْ وَعَلَوْا اسْتِكْبَارًا عَنْ طَاعَة اللَّه . كَمَا : 24956 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { فَعَتَوْا } قَالَ : عَلَوْا . 24957 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , فِي قَوْله : { فَعَتَوْا عَنْ أَمْر رَبّهمْ } قَالَ : الْعَاتِي : الْعَاصِي التَّارِك لِأَمْرِ اللَّه.


وَقَوْله : { فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَة } يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ : فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَة الْعَذَاب فَجْأَة . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 24958 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَة وَهُمْ يَنْظُرُونَ } وَهُمْ يَنْتَظِرُونَ , وَذَلِكَ أَنَّ ثَمُود وُعِدَتْ الْعَذَابَ قَبْل نُزُوله بِهِمْ بِثَلَاثَةِ أَيَّام وَجُعِلَ لِنُزُولِهِ عَلَيْهِمْ عَلَامَات فِي تِلْكَ الثَّلَاثَة , فَظَهَرَتِ الْعَلَامَات الَّتِي جَعَلَتْ لَهُمْ الدَّالَّة عَلَى نُزُولهَا فِي تِلْكَ الْأَيَّام , فَأَصْبَحُوا فِي الْيَوْم الرَّابِع مُوقِنِينَ بِأَنَّ الْعَذَاب بِهِمْ نَازِل , يَنْتَظِرُونَ حُلُوله بِهِمْ , وَقَرَأَتْ قُرَّاء الْأَمْصَار خَلَا الْكِسَائِيّ { فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَة } بِالْأَلِفِ. وَرُوِيَ عَنْ عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّهُ قَرَأَ ذَلِكَ " فَأَخَذَتْهُمُ الصَّعْقَة " بِغَيْرِ أَلِفٍ . 24959 -حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا مِهْرَان , عَنْ سُفْيَان , عَنِ السُّدِّيّ , عَنْ عَمْرو بْن مَيْمُون الْأَوْدِيّ , أَنَّ عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَرَأَ " فَأَخَذَتْهُمُ الصَّعْقَة " , وَكَذَلِكَ قَرَأَ الْكِسَائِيّ : وَبِالْأَلِفِ نَقْرَأ الصَّاعِقَة ; لِإِجْمَاعِ الْحُجَّة مِنَ الْقُرَّاء عَلَيْهَا .
مشاركة الموضوع