تفسير القرطبي

سورة الذاريات الآية ١٦

ءَاخِذِينَ مَآ ءَاتَىٰهُمْ رَبُّهُمْ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا۟ قَبْلَ ذَٰلِكَ مُحْسِنِينَ ﴿١٦﴾
" آخِذِينَ " نُصِبَ عَلَى الْحَال . " مَا آتَاهُمْ رَبّهمْ " أَيْ مَا أَعْطَاهُمْ مِنْ الثَّوَاب وَأَنْوَاع الْكَرَامَات ; قَالَهُ الضَّحَّاك . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس وَسَعِيد بْن جُبَيْر : " آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبّهمْ " أَيْ عَامِلِينَ بِالْفَرَائِضِ .

أَيْ قَبْل دُخُولهمْ الْجَنَّة فِي الدُّنْيَا

بِالْفَرَائِضِ . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : الْمَعْنَى كَانُوا قَبْل أَنْ يُفْرَض عَلَيْهِمْ الْفَرَائِض مُحْسِنِينَ فِي أَعْمَالهمْ .
أعطاهم الله جميع مُناهم من أصناف الدنيا, فأخذوا ذلك راضين به, فرحة به نفوسهم, إنهم كانوا قبل ذلك النعيم محسنين في الدنيا بأعمالهم الصالحة.
إن الذين اتقوا الله في جنات عظيمة، وعيون ماء جارية، أعطاهم الله جميع مُناهم من أصناف النعيم، فأخذوا ذلك راضين به، فَرِحة به نفوسهم، إنهم كانوا قبل ذلك النعيم محسنين في الدنيا بأعمالهم الصالحة.
"آخِذِينَ" حَال مِنْ الضَّمِير فِي خَبَر إنَّ "مَا آتَاهُمْ" أَعْطَاهُمْ "رَبّهمْ" مِنْ الثَّوَاب "إنَّهُمْ كَانُوا قَبْل ذَلِكَ" أَيْ دُخُولهمْ الْجَنَّة "مُحْسِنِينَ" فِي الدُّنْيَا
قَالَ اِبْن جَرِير أَيْ عَامِلِينَ بِمَا آتَاهُمْ اللَّه مِنْ الْفَرَائِض" إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْل ذَلِكَ مُحْسِنِينَ " أَيْ قَبْل أَنْ يُفْرَض عَلَيْهِمْ الْفَرَائِض كَانُوا مُحْسِنِينَ فِي الْأَعْمَال أَيْضًا ثُمَّ رَوَى عَنْ اِبْن حُمَيْد حَدَّثَنَا مِهْرَان عَنْ سُفْيَان عَنْ أَبِي عُمَر عَنْ مُسْلِم الْبَطِين عَنْ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا فِي قَوْله تَعَالَى " آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبّهمْ " قَالَ مِنْ الْفَرَائِض " إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْل ذَلِكَ مُحْسِنِينَ " قَبْل الْفَرَائِض يَعْمَلُونَ وَهَذَا الْإِسْنَاد ضَعِيف وَلَا يَصِحّ عَنْ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا وَقَدْ رَوَاهُ عُثْمَان بْن أَبِي شَيْبَة عَنْ مُعَاوِيَة بْن هِشَام عَنْ سُفْيَان عَنْ أَبِي عُمَر الْبَزَّار عَنْ مُسْلِم الْبَطِين عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا فَذَكَرَهُ وَاَلَّذِي فَسَّرَ بِهِ اِبْن جَرِير فِيهِ نَظَر لِأَنَّ قَوْله تَبَارَكَ وَتَعَالَى" آخِذِينَ " حَال مِنْ قَوْله فِي جَنَّات وَعُيُون فَالْمُتَّقُونَ فِي حَال كَوْنهمْ فِي الْجَنَّات وَالْعُيُون آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبّهمْ أَيْ مِنْ النَّعِيم وَالسُّرُور وَالْغِبْطَة وَقَوْله عَزَّ وَجَلَّ " إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْل ذَلِكَ " أَيْ فِي الدَّار الدُّنْيَا" مُحْسِنِينَ " كَقَوْلِهِ جَلَّ جَلَاله " كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّام الْخَالِيَة " ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى بَيَّنَ إِحْسَانهمْ فِي الْعَمَل فَقَالَ جَلَّ وَعَلَا .
وَقَوْله : { آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبّهمْ } يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ : عَامِلِينَ مَا أَمَرَهُمْ بِهِ رَبّهمْ مُؤَدِّينَ فَرَائِضَهُ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 24855 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا مِهْرَان , عَنْ سُفْيَان , عَنْ أَبِي عُمَر , عَنْ مُسْلِم الْبَطِين , عَنِ ابْن عَبَّاس , فِي قَوْله : { آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبّهمْ } قَالَ : الْفَرَائِض .


وَقَوْله : { إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْل ذَلِكَ مُحْسِنِينَ } يَقُول : إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْل أَنْ يُفْرَض عَلَيْهِمْ الْفَرَائِض مُحْسِنِينَ , يَقُول : كَانُوا لِلَّهِ قَبْل ذَلِكَ مُطِيعِينَ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل. ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 24856 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا مِهْرَان , عَنْ سُفْيَان , عَنْ أَبِي عُمَر , عَنْ مُسْلِم الْبَطِين , عَنِ ابْن عَبَّاس { إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْل ذَلِكَ مُحْسِنِينَ } قَالَ : قَبْل الْفَرَائِض مُحْسِنِينَ يَعْمَلُونَ .
مشاركة الموضوع