تفسير القرطبي

سورة المائدة الآية ٩

وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ ۙ لَهُم مَّغْفِرَةٌۭ وَأَجْرٌ عَظِيمٌۭ ﴿٩﴾
أَيْ قَالَ اللَّه فِي حَقّ الْمُؤْمِنِينَ : " لَهُمْ مَغْفِرَة وَأَجْر عَظِيم " أَيْ لَا تَعْرِف كُنْهَهُ أَفْهَامُ الْخَلْق ; كَمَا قَالَ : " فَلَا تَعْلَم نَفْس مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّة أَعْيُن " [ السَّجْدَة : 17 ] , وَإِذَا قَالَ اللَّه تَعَالَى : " أَجْر عَظِيم " و " أَجْر كَرِيم " [ يس : 11 ] و " أَجْر كَبِير " [ هُود : 11 ] فَمَنْ ذَا الَّذِي يَقْدُر قَدْره ؟ , وَلَمَّا كَانَ الْوَعْد مِنْ قَبِيل الْقَوْل حَسُنَ إِدْخَال اللَّام فِي قَوْله : " لَهُمْ مَغْفِرَة " وَهُوَ فِي مَوْضِع نَصْب ; لِأَنَّهُ وَقَعَ مَوْقِع الْمَوْعُود بِهِ , عَلَى مَعْنَى وَعَدَهُمْ أَنَّ لَهُمْ مَغْفِرَة أَوْ وَعَدَهُمْ مَغْفِرَة إِلَّا أَنَّ الْجُمْلَة وَقَعَتْ مَوْقِع الْمُفْرَد ; كَمَا قَالَ الشَّاعِر : وَجَدْنَا الصَّالِحِينَ لَهُمْ جَزَاء وَجَنَّات وَعَيْنًا سَلْسَبِيلَا وَمَوْضِع الْجُمْلَة نَصْب ; وَلِذَلِكَ عُطِفَ عَلَيْهَا بِالنَّصْبِ , وَقِيلَ : هُوَ فِي مَوْضِع رَفْع عَلَى أَنَّ يَكُون الْمَوْعُود بِهِ مَحْذُوفًا ; عَلَى تَقْدِير لَهُمْ مَغْفِرَة وَأَجْر عَظِيم فِيمَا وَعَدَهُمْ بِهِ , وَهَذَا الْمَعْنَى عَنْ الْحَسَن .
أي " وَعَدَ اللَّهُ " الذي لا يخلف الميعاد, وهو أصدق القائلين - المؤمنين به, وبكتبه, ورسله, واليوم الآخر.
" وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ " من واجبات, ومستحبات - بالمغفرة لذنوبهم, بالعفو عنها, وعن عواقبها, وبالأجر العظيم الذي لا يعلم عظمه إلا الله تعالى.
" فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ " .
وعد الله الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا الصالحات أن يغفر لهم ذنوبهم، وأن يثيبهم على ذلك الجنة، والله لا يخلف وعده.
"وَعَدَ اللَّه الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات" وَعْدًا حَسَنًا "لَهُمْ مَغْفِرَة وَأَجْر عَظِيم" هُوَ الْجَنَّة
أَيْ لِذُنُوبِهِمْ " وَأَجْر عَظِيم " وَهُوَ الْجَنَّة الَّتِي هِيَ مِنْ رَحْمَته عَلَى عِبَاده لَا يَنَالُوهَا بِأَعْمَالِهِمْ بَلْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْل وَإِنْ كَانَ سَبَب وُصُول الرَّحْمَة إِلَيْهِمْ أَعْمَالهمْ وَهُوَ تَعَالَى الَّذِي جَعَلَهَا أَسْبَابًا إِلَى نَيْل رَحْمَته وَفَضْله وَعَفْوه وَرِضْوَانه فَالْكُلّ مِنْهُ وَلَهُ فَلَهُ الْحَمْد وَالْمِنَّة .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَعَدَ اللَّه الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات } يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : { وَعَدَ اللَّه الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات } وَعَدَ اللَّه أَيّهَا النَّاس الَّذِينَ صَدَقُوا اللَّه وَرَسُوله , وَأَقَرُّوا بِمَا جَاءَهُمْ بِهِ مِنْ عِنْد رَبّهمْ , وَعَمِلُوا بِمَا وَاثَقَهُمْ اللَّه بِهِ , وَأَوْفَوْا بِالْعُقُودِ الَّتِي عَاقَدَهُمْ عَلَيْهَا بِقَوْلِهِمْ : لَنَسْمَعَنَّ وَلَنُطِيعَنَّ اللَّه وَرَسُوله . فَسَمِعُوا أَمْر اللَّه وَنَهْيه , وَأَطَاعُوهُ فَعَمِلُوا بِمَا أَمَرَهُمْ اللَّه بِهِ , وَانْتَهُوا عَمَّا نَهَاهُمْ عَنْهُ . وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : { لَهُمْ مَغْفِرَة } لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ وَفُّوا بِالْعُقُودِ وَالْمِيثَاق الَّذِي وَاثَقَهُمْ بِهِ رَبّهمْ مَغْفِرَة وَهِيَ سَتْر ذُنُوبهمْ السَّالِفَة مِنْهُمْ عَلَيْهِمْ , وَتَغْطِيَتهَا بِعَفْوِهِ لَهُمْ عَنْهَا , وَتَرْكه عُقُوبَتهمْ عَلَيْهَا وَفَضِيحَتهمْ بِهَا . { وَأَجْر عَظِيم } يَقُول : وَلَهُمْ مَعَ عَفْوه لَهُمْ عَنْ ذُنُوبهمْ السَّالِفَة مِنْهُمْ جَزَاء عَلَى أَعْمَالهمْ الَّتِي عَمِلُوهَا وَوَفَائِهِمْ بِالْعُقُودِ الَّتِي عَاقَدُوا رَبّهمْ عَلَيْهَا أَجْر عَظِيم , وَالْعَظِيم مِنْ خَيْر غَيْر مَحْدُود مَبْلَغه وَلَا يُعْرَف مُنْتَهَاهُ غَيْره تَعَالَى ذِكْره . فَإِنْ قَالَ قَائِل : إِنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَخْبَرَ فِي هَذِهِ الْآيَة أَنَّهُ وَعَدَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات , وَلَمْ يُخْبِر بِمَا وَعَدَهُمْ , فَأَيْنَ الْخَبَر عَنْ الْمَوْعُود ؟ قِيلَ : بَلَى , إِنَّهُ قَدْ أَخْبَرَ عَنْ

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله { لَهُمْ مَغْفِرَة وَأَجْر عَظِيم } الْمَوْعُود , وَالْمَوْعُود هُوَ قَوْله : { لَهُمْ مَغْفِرَة وَأَجْر عَظِيم } فَإِنْ قَالَ قَائِل : فَإِنَّ قَوْله : { لَهُمْ مَغْفِرَة وَأَجْر عَظِيم } خَبَر مُبْتَدَأ , وَلَوْ كَانَ هُوَ الْمَوْعُود لَقِيلَ : وَعَدَ اللَّه الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات مَغْفِرَة وَأَجْرًا عَظِيمًا , وَلَمْ يُدْخِل فِي ذَلِكَ " لَهُمْ " , وَفِي دُخُول ذَلِكَ فِيهِ دَلَالَة عَلَى اِبْتِدَاء الْكَلَام , وَانْقِضَاء الْخَبَر عَنْ الْوَعْد ؟ قِيلَ : إِنَّ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ ظَاهِره مَا ذَكَرْت فَإِنَّهُ مِمَّا اُكْتُفِيَ بِدَلَالَةِ مَا ظَهَرَ مِنْ الْكَلَام عَلَى مَا بَطَنَ مِنْ مَعْنَاهُ مِنْ ذِكْر بَعْض قَدْ تَرَكَ ذِكْره فِيهِ , وَذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى الْكَلَام : وَعَدَ اللَّه الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات أَنْ يَغْفِر لَهُمْ , وَيَأْجُرهُمْ أَجْرًا عَظِيمًا ; لِأَنَّ مِنْ شَأْن الْعَرَب أَنْ يُصْحِبُوا " الْوَعْد " " أَنَّ " يُعْمِلُوهُ فِيهَا , فَتُرِكَتْ " أَنَّ " إِذْ كَانَ الْوَعْد قَوْلًا , وَمِنْ شَأْن الْقَوْل أَنْ يَكُون مَا بَعْده مِنْ جُمَل الْأَخْبَار مُبْتَدَأ وَذَكَرَ بَعْده جُمْلَة الْخَبَر اِجْتِزَاء بِدَلَالَةِ ظَاهِر الْكَلَام عَلَى مَعْنَاهُ وَصَرْفًا لِلْوَعْدِ الْمُوَافِق لِلْقَوْلِ فِي مَعْنَاهُ وَإِنْ كَانَ لِلَفْظِهِ مُخَالِفًا إِلَى مَعْنَاهُ , فَكَأَنَّهُ قِيلَ : قَالَ اللَّه لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات مَغْفِرَة وَأَجْر عَظِيم . وَكَانَ بَعْض نَحْوِيِّي الْبَصْرَة يَقُول : إِنَّمَا قِيلَ : { وَعَدَ اللَّه الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات لَهُمْ مَغْفِرَة وَأَجْر عَظِيم } الْوَعْد الَّذِي وُعِدُوا , فَكَانَ مَعْنَى الْكَلَام عَلَى تَأْوِيل قَائِل هَذَا الْقَوْل : وَعَدَ اللَّه الَّذِي آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات لَهُمْ مَغْفِرَة وَأَجْر عَظِيم
مشاركة الموضوع