تفسير القرطبي

سورة المائدة الآية ٨٥

فَأَثَٰبَهُمُ ٱللَّهُ بِمَا قَالُوا۟ جَنَّٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴿٨٥﴾
دَلِيل عَلَى إِخْلَاص إِيمَانهمْ وَصِدْق مَقَالهمْ ; فَأَجَابَ اللَّه سُؤَالهمْ وَحَقَّقَ طَمَعهمْ - وَهَكَذَا مَنْ خَلَصَ إِيمَانه وَصَدَقَ يَقِينه يَكُون ثَوَابه الْجَنَّة . ثُمَّ قَالَ
قال الله تعالى: " فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا " أي: بما تفوهوا به من الإيمان, ونطقوا به من التصديق بالحق.
" جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ " وهذه الآيات, نزلت في النصارى الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم كالنجاشي وغيره, ممن آمن منهم.
وكذلك لا يزال يوجد فيهم, من يختار دين الإسلام, ويتبين له بطلان ما كانوا عليه, وهم أقرب من اليهود والمشركين, إلى دين الإسلام.
فجزاهم الله بما قالوا من الاعتزاز بإيمانهم بالإسلام، وطلبهم أن يكونوا مع القوم الصالحين، جنات تجري من تحت أشجارها الأنهار، ماكثين فيها لا يخرجون منها، ولا يُحوَّلون عنها، وذلك جزاء إحسانهم في القول والعمل.
"فَأَثَابَهُمْ اللَّه بِمَا قَالُوا جَنَّات تَجْرِي مِنْ تَحْتهَا الْأَنْهَار خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِك جَزَاء الْمُحْسِنِينَ" بِالْإِيمَانِ
قَالَ تَعَالَى هَهُنَا " فَأَثَابَهُمْ اللَّه بِمَا قَالُوا جَنَّات تَجْرِي مِنْ تَحْتهَا الْأَنْهَار " أَيْ فَجَازَاهُمْ عَلَى إِيمَانهمْ وَتَصْدِيقهمْ وَاعْتِرَافهمْ بِالْحَقِّ جَنَّات تَجْرِي مِنْ تَحْتهَا الْأَنْهَار" خَالِدِينَ فِيهَا " أَيْ مَاكِثِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يُحَوَّلُونَ وَلَا يَزُولُونَ " وَذَلِكَ جَزَاء الْمُحْسِنِينَ " أَيْ فِي اِتِّبَاعهمْ الْحَقّ وَانْقِيَادهمْ لَهُ حَيْثُ كَانَ وَأَيْنَ كَانَ وَمَعَ مَنْ كَانَ .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَأَثَابَهُمْ اللَّه بِمَا قَالُوا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَجَزَاهُمْ اللَّه بِقَوْلِهِمْ : رَبّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ , وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِن بِاَللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنْ الْحَقّ , وَنَطْمَع أَنْ يُدْخِلنَا رَبّنَا مَعَ الْقَوْم الصَّالِحِينَ

يَعْنِي : بَسَاتِين تَجْرِي مِنْ تَحْت أَشْجَارهَا الْأَنْهَار

يَقُول : دَائِمًا فِيهَا مُكْثهمْ , لَا يَخْرُجُونَ مِنْهَا وَلَا يُحَوَّلُونَ عَنْهَا .

يَقُول : وَهَذَا الَّذِي جَزَيْت هَؤُلَاءِ الْقَائِلِينَ بِمَا وَصَفْت عَنْهُمْ مِنْ قِيلهمْ عَلَى مَا قَالُوا مِنْ الْجَنَّات الَّتِي هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ , جَزَاء كُلّ مُحْسِن فِي قِيله وَفِعْله . وَإِحْسَان الْمُحْسِن فِي ذَلِكَ أَنْ يُوَحِّد اللَّه تَوْحِيدًا خَالِصًا مَحْضًا لَا شِرْك فِيهِ , وَيُقِرّ بِأَنْبِيَاءِ اللَّه وَمَا جَاءَتْ بِهِ مِنْ عِنْد اللَّه مِنْ الْكُتُب , وَيُؤَدِّي فَرَائِضه , وَيَجْتَنِب مَعَاصِيه , فَذَلِكَ كَمَال إِحْسَان الْمُحْسِنِينَ الَّذِينَ قَالَ اللَّه تَعَالَى : { جَنَّات تَجْرِي مِنْ تَحْتهَا الْأَنْهَار خَالِدِينَ فِيهَا }
مشاركة الموضوع