تفسير القرطبي

سورة المائدة الآية ٣٩

فَمَن تَابَ مِنۢ بَعْدِ ظُلْمِهِۦ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌ ﴿٣٩﴾
قَوْله تَعَالَى " فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْد ظُلْمه وَأَصْلَحَ " شَرْط وَجَوَابه " فَإِنَّ اللَّه يَتُوب عَلَيْهِ " " مِنْ بَعْد ظُلْمه " مِنْ بَعْد السَّرِقَة ; فَإِنَّ اللَّه يَتَجَاوَز عَنْهُ , وَالْقَطْع لَا يَسْقُط بِالتَّوْبَةِ , وَقَالَ عَطَاء وَجَمَاعَة : يَسْقُط بِالتَّوْبَةِ قَبْل الْقُدْرَة عَلَى السَّارِق , وَقَالَهُ بَعْض الشَّافِعِيَّة وَعَزَاهُ إِلَى الشَّافِعِيّ قَوْلًا . وَتَعَلَّقُوا بِقَوْلِ اللَّه تَعَالَى : " إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْل أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ " وَذَلِكَ اِسْتِثْنَاء مِنْ الْوُجُوب , فَوَجَبَ حَمْل جَمِيع الْحُدُود عَلَيْهِ , وَقَالَ عُلَمَاؤُنَا : هَذَا بِعَيْنِهِ دَلِيلنَا ; لِأَنَّ اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى لَمَّا ذَكَرَ حَدّ الْمُحَارِب قَالَ : " إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْل أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ " وَعَطَفَ عَلَيْهِ حَدّ السَّارِق وَقَالَ فِيهِ : " فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْد ظُلْمه وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّه يَتُوب عَلَيْهِ " فَلَوْ كَانَ مِثْله فِي الْحُكْم مَا غَايَرَ الْحُكْم بَيْنهمَا . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَيَا مَعْشَر الشَّافِعِيَّة سُبْحَان اللَّه ! أَيْنَ الدَّقَائِق الْفِقْهِيَّة , وَالْحِكَم الشَّرْعِيَّة , الَّتِي تَسْتَنْبِطُونَهَا مِنْ غَوَامِض الْمَسَائِل ؟ ! أَلَمْ تَرَوْا إِلَى الْمُحَارِب الْمُسْتَبِدّ بِنَفْسِهِ , الْمُعْتَدِي بِسِلَاحٍ , الَّذِي يَفْتَقِر الْإِمَام مَعَهُ إِلَى الْإِيجَاف بِالْخَيْلِ وَالرِّكَاب كَيْفَ أَسْقَطَ جَزَاءَهُ بِالتَّوْبَةِ اِسْتِنْزَالًا عَنْ تِلْكَ الْحَالَة , كَمَا فَعَلَ بِالْكَافِرِ فِي مَغْفِرَة جَمِيع مَا سَلَفَ اِسْتِئْلَافًا عَلَى الْإِسْلَام ; فَأَمَّا السَّارِق وَالزَّانِي وَهُمَا فِي قَبْضَة الْمُسْلِمِينَ وَتَحْت حُكْم الْإِمَام , فَمَا الَّذِي يُسْقِط عَنْهُمْ حُكْم مَا وَجَبَ عَلَيْهِمْ ؟ ! أَوْ كَيْفَ يَجُوز أَنْ يُقَال : يُقَاس عَلَى الْمُحَارِب وَقَدْ فَرَّقَتْ بَيْنهمَا الْحِكْمَة وَالْحَالَة ! هَذَا مَا لَا يَلِيق بِمِثْلِكُمْ يَا مَعْشَر الْمُحَقِّقِينَ , وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْحَدّ لَا يَسْقُط بِالتَّوْبَةِ , فَالتَّوْبَة مَقْبُولَة وَالْقَطْع كَفَّارَة لَهُ . " وَأَصْلَحَ " أَيْ كَمَا تَابَ عَنْ السَّرِقَة تَابَ عَنْ كُلّ ذَنْب , وَقِيلَ : " وَأَصْلَحَ " أَيْ تَرَكَ الْمَعْصِيَة بِالْكُلِّيَّةِ , فَأَمَّا مَنْ تَرَكَ السَّرِقَة بِالزِّنَى أَوْ التَّهَوُّد بِالتَّنَصُّرِ فَهَذَا لَيْسَ بِتَوْبَةٍ , وَتَوْبَة اللَّه عَلَى الْعَبْد أَنْ يُوَفِّقَهُ لِلتَّوْبَةِ , وَقِيلَ : أَنْ تُقْبَل مِنْهُ التَّوْبَة . يُقَال : بَدَأَ اللَّه بِالسَّارِقِ فِي هَذِهِ الْآيَة قَبْل السَّرِقَة , وَفِي الزِّنَى بِالزَّانِيَةِ قَبْل الزَّانِي مَا الْحِكْمَة فِي ذَلِكَ ؟ فَالْجَوَاب أَنْ يُقَال : لَمَّا كَانَ حُبّ الْمَال عَلَى الرِّجَال أَغْلَب , وَشَهْوَة الِاسْتِمْتَاع عَلَى النِّسَاء أَغْلَب بَدَأَ بِهِمَا فِي الْمَوْضِع ; هَذَا أَحَد الْوُجُوه فِي الْمَرْأَة عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه فِي سُورَة " النُّور " مِنْ الْبِدَايَة بِهَا عَلَى الزَّانِي إِنْ شَاءَ اللَّه . ثُمَّ جَعَلَ اللَّه حَدّ السَّرِقَة قَطْع الْيَد لِتَنَاوُلِ الْمَال , وَلَمْ يَجْعَل حَدّ الزِّنَى قَطْع الذَّكَر مَعَ مُوَاقَعَة الْفَاحِشَة بِهِ لِثَلَاثَةِ مَعَانٍ : أَحَدهَا : أَنَّ لِلسَّارِقِ مِثْل يَده الَّتِي قُطِعَتْ فَإِنْ اِنْزَجَرَ بِهَا اِعْتَاضَ بِالثَّانِيَةِ , وَلَيْسَ لِلزَّانِي مِثْل ذَكَره إِذَا قُطِعَ فَلَمْ يَعْتَضْ بِغَيْرِهِ لَوْ اِنْزَجَرَ بِقَطْعِهِ . الثَّانِي : أَنَّ الْحَدّ زَجْر لِلْمَحْدُودِ وَغَيْره , وَقَطْع الْيَد فِي السَّرِقَة ظَاهِر : وَقَطْع الذَّكَر فِي الزِّنَى بَاطِن . الثَّالِث : أَنَّ قَطْع الذَّكَر فِيهِ إِبْطَال لِلنَّسْلِ وَلَيْسَ فِي قَطْع الْيَد إِبْطَاله , وَاللَّه أَعْلَمُ .
" فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ " .
فيغفر لمن تاب, فترك الذنوب, وأصلح الأعمال والعيوب.
فمن تاب مِن بعد سرقته، وأصلح في كل أعماله، فإن الله يقبل توبته. إن الله غفور لعباده، رحيم بهم.
"فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْد ظُلْمه" رَجَعَ عَنْ السَّرِقَة "وَأَصْلَحَ" عَمَله "فَإِنَّ اللَّه يَتُوب عَلَيْهِ إنَّ اللَّه غَفُور رَحِيم" فِي التَّعْبِير بِهَذَا مَا تَقَدَّمَ فَلَا يَسْقُط بِتَوْبَتِهِ حَقّ الْآدَمِيّ مِنْ الْقَطْع وَرَدّ الْمَال نَعَمْ بَيَّنَتْ السُّنَّة أَنَّهُ إنْ عَفَا عَنْهُ قَبْل الرَّفْع إلَى الْإِمَام سَقَطَ الْقَطْع وَعَلَيْهِ الشَّافِعِيّ
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى " فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْد ظُلْمه وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّه يَتُوب عَلَيْهِ إِنَّ اللَّه غَفُور رَحِيم " أَيْ مَنْ تَابَ بَعْد سَرِقَته وَأَنَابَ إِلَى اللَّه فَإِنَّ اللَّه يَتُوب عَلَيْهِ فِيمَا بَيْنه وَبَيْنه فَأَمَّا أَمْوَال النَّاس فَلَا بُدّ مِنْ رَدِّهَا إِلَيْهِمْ أَوْ بَدَلهَا عِنْد الْجُمْهُور وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : مَتَى قُطِعَ وَقَدْ تَلِفَتْ فِي يَده فَإِنَّهُ لَا يَرُدّ بَدَلَهَا وَقَدْ رَوَى الْحَافِظ أَبُو الْحَسَن الدَّارَقُطْنِيّ مِنْ حَدِيث عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَنَّ رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُتِيَ بِسَارِقٍ قَدْ سَرَقَ شَمْلَة فَقَالَ : مَا إِخَالهُ سَرَقَ فَقَالَ السَّارِق : بَلَى يَا رَسُول اللَّه قَالَ : " اِذْهَبُوا بِهِ فَاقْطَعُوهُ ثُمَّ اِحْسِمُوهُ ثُمَّ اِئْتُونِي بِهِ " فَقُطِعَ فَأُتِيَ بِهِ فَقَالَ : " تُبْ إِلَى اللَّه " فَقَالَ : تُبْت إِلَى اللَّه فَقَالَ : " تَابَ اللَّه عَلَيْك " وَقَدْ رُوِيَ مِنْ وَجْه آخَر مُرْسَلًا وَرَجَّحَ إِرْسَاله عَلِيّ بْن الْمَدِينِيّ وَابْن خُزَيْمَةَ رَحِمَهُ اللَّه. وَرَوَى اِبْن مَاجَهْ مِنْ حَدِيث اِبْن لَهِيعَة عَنْ يَزِيد بْن أَبِي حَبِيب عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن ثَعْلَبَة الْأَنْصَارِيّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَر بْن سَمُرَة بْن حَبِيب بْن عَبْد شَمْس جَاءَ إِلَى رَسُول اللَّه فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه إِنِّي سَرَقْت جَمَلًا لِبَنِي فُلَان فَطَهِّرْنِي فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ النَّبِيّ - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالُوا : إِنَّا اِفْتَقَدْنَا جَمَلًا لَنَا فَأَمَرَ فَقُطِعَتْ يَده وَهُوَ يَقُول : الْحَمْد لِلَّهِ الَّذِي طَهَّرَنِي مِنْكِ أَرَدْت أَنْ تُدْخِلِي جَسَدِي النَّار . وَقَالَ اِبْن جَرِير حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب حَدَّثَنَا مُوسَى بْن دَاوُدَ حَدَّثَنَا اِبْن لَهِيعَة عَنْ يَحْيَى بْن عَبْد اللَّه عَنْ أَبِي عَبْد الرَّحْمَن الْحُبُلِيّ عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو قَالَ : سَرَقَتْ اِمْرَأَة حُلِيًّا فَجَاءَ الَّذِينَ سَرَقَتْهُمْ فَقَالُوا : يَا رَسُول اللَّه سَرَقَتْنَا هَذِهِ الْمَرْأَة فَقَالَ رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اِقْطَعُوا يَدهَا الْيُمْنَى فَقَالَتْ : الْمَرْأَة هَلْ مِنْ تَوْبَة فَقَالَ رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " أَنْتِ الْيَوْم مِنْ خَطِيئَتك كَيَوْمِ وَلَدَتْك أُمّك " قَالَ فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ " فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْد ظُلْمه وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّه يَتُوب عَلَيْهِ إِنَّ اللَّه غَفُور رَحِيم " وَقَدْ رَوَاهُ الْإِمَام أَحْمَد بِأَبْسَطَ مِنْ هَذَا فَقَالَ حَدَّثَنَا حَسَن حَدَّثَنَا اِبْن لَهِيعَة حَدَّثَنِي يَحْيَى بْن عَبْد اللَّه عَنْ أَبِي عَبْد الرَّحْمَن الْحُبُلِيّ عَنْ عَبْد اللَّه بْن عُمَر أَنَّ اِمْرَأَة سَرَقَتْ عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَجَاءَ بِهَا الَّذِينَ سَرَقَتْهُمْ فَقَالُوا : يَا رَسُول اللَّه إِنَّ هَذِهِ الْمَرْأَة سَرَقَتْنَا قَالَ قَوْمهَا : فَنَحْنُ نَفْدِيهَا فَقَالَ رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " اِقْطَعُوا يَدهَا " فَقَالُوا : نَحْنُ نَفْدِيهَا بِخَمْسِمِائَةِ دِينَار فَقَالَ : " اِقْطَعُوا يَدهَا " فَقُطِعَتْ يَدهَا الْيُمْنَى فَقَالَتْ الْمَرْأَة : هَلْ لِي مِنْ تَوْبَة يَا رَسُول اللَّه قَالَ : " نَعَمْ أَنْتِ الْيَوْم مِنْ خَطِيئَتك كَيَوْمِ وَلَدَتْك أُمّك " فَأَنْزَلَ اللَّه فِي سُورَة الْمَائِدَة " فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْد ظُلْمه وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّه يَتُوب عَلَيْهِ إِنَّ اللَّه غَفُور رَحِيم " وَهَذِهِ الْمَرْأَة هِيَ الْمَخْزُومِيَّة الَّتِي سَرَقَتْ وَحَدِيثهَا ثَابِت فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ رِوَايَة الزُّهْرِيّ عَنْ عُرْوَة عَنْ عَائِشَة أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ الْمَرْأَة الَّتِي سَرَقَتْ فِي عَهْد النَّبِيّ - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي غَزْوَة الْفَتْح فَقَالُوا : مَنْ يُكَلِّم فِيهَا رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالُوا : وَمَنْ يَجْتَرِئ عَلَيْهِ إِلَّا أُسَامَة بْن زَيْد حِبّ رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأُتِيَ بِهَا رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَلَّمَهُ فِيهَا أُسَامَة بْن زَيْد فَتَلَوَّنَ وَجْه رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : " أَتَشْفَعُ فِي حَدّ مِنْ حُدُود اللَّه عَزَّ وَجَلَّ " فَقَالَ لَهُ أُسَامَة : اِسْتَغْفِرْ لِي يَا رَسُول اللَّه فَلَمَّا كَانَ الْعَشِيّ قَامَ رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَاخْتَطَبَ فَأَثْنَى عَلَى اللَّه بِمَا هُوَ أَهْله ثُمَّ قَالَ : " أَمَّا بَعْد فَإِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الشَّرِيف تَرَكُوهُ وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الضَّعِيف أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدّ وَإِنِّي وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَة بِنْت مُحَمَّد سَرَقَتْ لَقَطَعْت يَدهَا " ثُمَّ أَمَرَ بِتِلْكَ الْمَرْأَة الَّتِي سَرَقَتْ فَقُطِعَتْ يَدهَا قَالَتْ عَائِشَة : فَحَسُنَتْ تَوْبَتهَا بَعْد وَتَزَوَّجَتْ وَكَانَتْ تَأْتِي بَعْد ذَلِكَ فَأَرْفَعُ حَاجَتهَا إِلَى رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهَذَا لَفْظ مُسْلِم وَفِي لَفْظ لَهُ عَنْ عَائِشَة قَالَتْ : كَانَتْ اِمْرَأَة مَخْزُومِيَّة تَسْتَعِير الْمَتَاع وَتَجْحَدهُ فَأَمَرَ النَّبِيّ - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَطْعِ يَدهَا وَعَنْ اِبْن عُمَر قَالَ : كَانَتْ امْرَأَة مَخْزُومِيَّة تَسْتَعِير مَتَاعًا عَلَى أَلْسِنَة جَارَاتهَا وَتَجْحَدهُ فَأَمَرَ رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَطْعِ يَدهَا رَوَاهُ الْإِمَام أَحْمَد وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيّ وَهَذَا لَفْظه وَفِي لَفْظ لَهُ : أَنَّ اِمْرَأَة كَانَتْ تَسْتَعِير الْحُلِيّ لِلنَّاسِ ثُمَّ تُمْسِكهُ فَقَالَ رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " لِتَتُبْ هَذِهِ الْمَرْأَةُ إِلَى اللَّه وَإِلَى رَسُوله وَتَرُدَّ مَا تَأْخُذ عَلَى الْقَوْم ثُمَّ قَالَ رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قُمْ يَا بِلَال فَخُذْ بِيَدِهَا فَاقْطَعْهَا" وَقَدْ وَرَدَ فِي أَحْكَام السَّرِقَة أَحَادِيث كَثِيرَة مَذْكُورَة فِي كِتَاب الْأَحْكَام وَلِلَّهِ الْحَمْد وَالْمِنَّة .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْد ظُلْمه وَأَصْلَحَ } يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ { فَمَنْ تَابَ } مِنْ هَؤُلَاءِ السُّرَّاق , يَقُول : مَنْ رَجَعَ مِنْهُمْ عَمَّا يَكْرَههُ اللَّه مِنْ مَعْصِيَته إِيَّاهُ إِلَى مَا يَرْضَاهُ مِنْ طَاعَته مِنْ بَعْد ظُلْمه ; وَظُلْمه : هُوَ اِعْتِدَاؤُهُ وَعَمَله مَا نَهَاهُ اللَّه عَنْهُ مِنْ سَرِقَة أَمْوَال النَّاس . يَقُول : وَأَصْلَحَ نَفْسه بِحَمْلِهَا عَلَى مَكْرُوههَا فِي طَاعَة اللَّه وَالتَّوْبَة إِلَيْهِ مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ مَعْصِيَته . وَكَانَ مُجَاهِد فِيمَا ذُكِرَ لَنَا يَقُول : تَوْبَته فِي هَذَا الْمَوْضِع , الْحَدّ الَّذِي يُقَام عَلَيْهِ . 9311 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْد ظُلْمه وَأَصْلَحَ } يَقُول : فَتَابَ عَلَيْهِ بِالْحَدِّ . 9312 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا مُوسَى بْن دَاوُد , قَالَ : ثنا اِبْن لَهِيعَة , عَنْ حُيَيّ بْن عَبْد اللَّه , عَنْ أَبِي عَبْد الرَّحْمَن الْحُبْلِيّ , عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو , قَالَ : سَرَقَتْ اِمْرَأَة حُلِيًّا , فَجَاءَ الَّذِينَ سَرَقَتْهُمْ , فَقَالُوا : يَا رَسُول اللَّه سَرَقَتْنَا هَذِهِ الْمَرْأَة , فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " اِقْطَعُوا يَدهَا الْيُمْنَى ! " فَقَالَتْ الْمَرْأَة : هَلْ مِنْ تَوْبَة ؟ فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَنْتِ الْيَوْم مِنْ خَطِيئَتك كَيَوْمِ وَلَدَتْك أُمّك " . قَالَ : فَأَنْزَلَ اللَّه جَلَّ وَعَزَّ : { فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْد ظُلْمه وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّه يَتُوب عَلَيْهِ } .

وَقَوْله : { فَإِنَّ اللَّه يَتُوب عَلَيْهِ } يَقُول : فَإِنَّ اللَّه جَلَّ وَعَزَّ يُرْجِعهُ إِلَى مَا يُحِبّ وَيَرْضَى عَمَّا يَكْرَههُ وَيَسْخَط مِنْ مَعْصِيَته .

وَقَوْله : { إِنَّ اللَّه غَفُور رَحِيم } يَقُول : إِنَّ اللَّه عَزَّ ذِكْره سَاتِر عَلَى مَنْ تَابَ وَأَنَابَ عَنْ مَعَاصِيه إِلَى طَاعَته ذُنُوبه بِالْعَفْوِ عَنْ عُقُوبَته عَلَيْهَا يَوْم الْقِيَامَة وَتَرْكه فَضِيحَته بِهَا عَلَى رُءُوس الْأَشْهَاد , رَحِيم بِهِ وَبِعِبَادِهِ التَّائِبِينَ إِلَيْهِ مِنْ ذُنُوبهمْ .
مشاركة الموضوع