تفسير القرطبي

سورة الحجرات الآية ٥

وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا۟ حَتَّىٰ تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًۭا لَّهُمْ ۚ وَٱللَّهُ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ﴿٥﴾
أَيْ لَوْ اِنْتَظَرُوا خُرُوجك لَكَانَ أَصْلَح فِي دِينهمْ وَدُنْيَاهُمْ . وَكَانَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَحْتَجِب عَنْ النَّاس إِلَّا فِي أَوْقَات يَشْتَغِل فِيهِمَا بِمُهِمَّاتِ نَفْسه , فَكَانَ إِزْعَاجه فِي تِلْكَ الْحَالَة مِنْ سُوء الْأَدَب وَقِيلَ : كَانُوا جَاءُوا شُفَعَاء فِي أُسَارَى بَنِي عَنْبَر فَأَعْتَقَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نِصْفهمْ , وَفَادَى عَلَى النِّصْف . وَلَوْ صَبَرُوا لَأَعْتَقَ جَمِيعهمْ بِغَيْرِ فِدَاء .
ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم عند الله; لأن الله قد أمرهم بتوقيرك, والله غفور لما صدر عنهم جهلا منهم من الذنوب والإخلال بالأدب, رحيم بهم حيث لم يعاجلهم بالعقوبة.
ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرًا لهم عند الله؛ لأن الله قد أمرهم بتوقيرك، والله غفور لما صدر عنهم جهلا منهم من الذنوب والإخلال بالآداب، رحيم بهم حيث لم يعاجلهم بالعقوبة.
"وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا" أَنَّهُمْ فِي مَحَلّ رَفْع بِالِابْتِدَاءِ وَقِيلَ فَاعِل لِفِعْلٍ مُقَدَّر أَيْ ثَبَتَ "حَتَّى تَخْرُج إلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاَللَّه غَفُور رَحِيم" لِمَنْ تَابَ مِنْهُمْ , وَنَزَلَ فِي الْوَلِيد بْن عُقْبَة وَقَدْ بَعَثَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى بَنِي الْمُصْطَلِق مُصَدِّقًا فَخَافَهُمْ لِتِرَةٍ كَانَتْ بَيْنه وَبَيْنهمْ فِي الْجَاهِلِيَّة فَرَجَعَ وَقَالَ إنَّهُمْ مَنَعُوا الصَّدَقَة وَهَمُّوا بِقَتْلِهِ فَهَمَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِغَزْوِهِمْ فَجَاءُوا مُنْكِرِينَ مَا قَالَهُ عَنْهُمْ
أَيْ لَكَانَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ الْخِيرَة وَالْمَصْلَحَة فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة ثُمَّ قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ دَاعِيًا لَهُمْ إِلَى التَّوْبَة وَالْإِنَابَة " وَاَللَّه غَفُور رَحِيم " .
وَقَوْله : { وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُج إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَلَوْ أَنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُنَادُونَك يَا مُحَمَّد مِنْ وَرَاء الْحُجُرَات صَبَرُوا فَلَمْ يُنَادُوك حَتَّى تَخْرُج إِلَيْهِمْ إِذَا خَرَجْت , لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ عِنْد اللَّه ; لِأَنَّ اللَّه قَدْ أَمَرَهُمْ بِتَوْقِيرِك وَتَعْظِيمك , فَهُمْ بِتَرْكِهِمْ نِدَاءَك تَارِكُونَ مَا قَدْ نَهَاهُمْ اللَّه عَنْهُ ,


يَقُول تَعَالَى ذِكْره : اللَّه ذُو عَفْو عَمَّنْ نَادَاك مِنْ وَرَاء الْحِجَاب , إِنْ هُوَ تَابَ مِنْ مَعْصِيَة اللَّه بِنِدَائِك كَذَلِكَ , وَرَاجَعَ أَمْر اللَّه فِي ذَلِكَ , وَفِي غَيْره ; رَحِيم بِهِ أَنْ يُعَاقِبهُ عَلَى ذَنْبه ذَلِكَ مِنْ بَعْد تَوْبَته مِنْهُ .
مشاركة الموضوع