تفسير القرطبي

سورة محمد الآية ١

ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَصَدُّوا۟ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَٰلَهُمْ ﴿١﴾
مَدَنِيَّة فِي قَوْل اِبْن عَبَّاس , ذَكَرَهُ النَّحَّاس . وَقَالَ الْمَاوَرْدِيّ : فِي قَوْل الْجَمِيع إِلَّا اِبْن عَبَّاس وَقَتَادَة فَإِنَّهُمَا قَالَا : إِلَّا آيَة مِنْهَا نَزَلَتْ عَلَيْهِ بَعْد حَجَّة الْوَدَاع حِين خَرَجَ مِنْ مَكَّة , وَجَعَلَ يَنْظُر إِلَى الْبَيْت وَهُوَ يَبْكِي حُزْنًا عَلَيْهِ , فَنَزَلَ عَلَيْهِ " وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَة هِيَ أَشَدّ قُوَّة مِنْ قَرْيَتك " [ مُحَمَّد : 13 ] . وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ : إِنَّهَا مَكِّيَّة , وَحَكَاهُ اِبْن هِبَة اللَّه عَنْ الضَّحَّاك وَسَعِيد بْن جُبَيْر . وَهِيَ تِسْع وَثَلَاثُونَ آيَة . وَقِيلَ ثَمَانٍ .

قَالَ اِبْن عَبَّاس وَمُجَاهِد : هُمْ أَهْل مَكَّة كَفَرُوا بِتَوْحِيدِ اللَّه , وَصَدُّوا أَنْفُسهمْ وَالْمُؤْمِنِينَ عَنْ دِين اللَّه وَهُوَ الْإِسْلَام بِنَهْيِهِمْ عَنْ الدُّخُول فِيهِ , وَقَالَهُ السُّدِّيّ . وَقَالَ الضَّحَّاك : " عَنْ سَبِيل اللَّه " عَنْ بَيْت اللَّه بِمَنْعِ قَاصِدِيهِ . وَمَعْنَى " أَضَلَّ أَعْمَالهمْ " : أَبْطَلَ كَيْدهمْ وَمَكْرهمْ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَجَعَلَ الدَّائِرَة عَلَيْهِمْ , قَالَهُ الضَّحَّاك . وَقِيلَ : أَبْطَلَ مَا عَمِلُوهُ فِي كُفْرهمْ بِمَا كَانُوا يُسَمُّونَهُ مَكَارِم , مِنْ صِلَة الْأَرْحَام وَفَكّ الْأُسَارَى وَقِرَى الْأَضْيَاف وَحِفْظ الْجِوَار . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : نَزَلَتْ فِي الْمُطْعِمِينَ بِبَدْرٍ , وَهُمْ اِثْنَا عَشَر رَجُلًا : أَبُو جَهْل , وَالْحَارِث بْن هِشَام , وَعُتْبَة وَشَيْبَة اِبْنَا رَبِيعَة , وَأُبَيّ وَأُمَيَّة اِبْنَا خَلَف , وَمُنَبِّه وَنَبِيه اِبْنَا الْحَجَّاج , وَأَبُو الْبُخْتَرِيّ بْن هِشَام , وَزَمْعَة بْن الْأَسْوَد , وَحَكِيم بْن حِزَام , وَالْحَارِث بْن عَامِر بْن نَوْفَل .
الذين جحدوا توحيد الله, وصدوا الناس عن دينه, أذهب الله أعمالهم, وأبطلها, وأشقاهم بسببها.
الذين جحدوا أن الله هو الإله الحق وحده لا شريك له، وصدوا الناس عن دينه، أَذْهَبَ الله أعمالهم، وأبطلها، وأشقاهم بسببها.
"الَّذِينَ كَفَرُوا" مِنْ أَهْل مَكَّة "وَصَدُّوا" غَيْرهمْ "عَنْ سَبِيل اللَّه" أَيْ الْإِيمَان "أَضَلَّ" أَحْبَطَ "أَعْمَالهمْ" كَإِطْعَامِ الطَّعَام وَصِلَة الْأَرْحَام فَلَا يَرَوْنَ لَهَا فِي الْآخِرَة ثَوَابًا وَيُجْزَوْنَ بِهَا فِي الدُّنْيَا مِنْ فَضْله تَعَالَى
" الَّذِينَ كَفَرُوا " أَيْ بِآيَاتِ اللَّه " وَصَدُّوا " غَيْرهمْ" عَنْ سَبِيل اللَّه أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ " أَيْ أَبْطَلَهَا وَأَذْهَبَهَا وَلَمْ يَجْعَل لَهَا ثَوَابًا وَلَا جَزَاء كَقَوْلِهِ تَعَالَى " وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَنْثُورًا " .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيل اللَّه أَضَلَّ أَعْمَالهمْ } قَالَ أَبُو جَعْفَر : يَقُول تَعَالَى ذِكْره : الَّذِينَ جَحَدُوا تَوْحِيد اللَّه وَعَبَدُوا غَيْره وَصَدُّوا مَنْ أَرَادَ عِبَادَته وَالْإِقْرَار بِوَحْدَانِيِّتِهِ , وَتَصْدِيق نَبِيّه مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الَّذِي أَرَادَ مِنْ الْإِسْلَام وَالْإِقْرَار وَالتَّصْدِيق { أَضَلَّ أَعْمَالهمْ } يَقُول : جَعَلَ اللَّه أَعْمَالهمْ ضَلَالًا عَلَى غَيْر هُدًى وَغَيْر رَشَاد , لِأَنَّهَا عُمِلَتْ فِي سَبِيل الشَّيْطَان وَهِيَ عَلَى غَيْر اِسْتِقَامَة
مشاركة الموضوع