تفسير القرطبي

سورة الأحقاف الآية ٣١

يَٰقَوْمَنَآ أَجِيبُوا۟ دَاعِىَ ٱللَّهِ وَءَامِنُوا۟ بِهِۦ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍۢ ﴿٣١﴾
يَعْنِي مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مَبْعُوثًا إِلَى الْجِنّ وَالْإِنْس . قَالَ مُقَاتِل : وَلَمْ يَبْعَث اللَّه نَبِيًّا إِلَى الْجِنّ وَالْإِنْس قَبْل مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .

قُلْت : يَدُلّ عَلَى قَوْله مَا فِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ جَابِر بْن عَبْد اللَّه الْأَنْصَارِيّ قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : [ أُعْطِيت خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَد قَبْلِي كَانَ كُلّ نَبِيّ يُبْعَث إِلَى قَوْمه خَاصَّة وَبُعِثْت إِلَى كُلّ أَحْمَر وَأَسْوَد وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِم وَلَمْ تُحَلّ لِأَحَدٍ قَبْلِي وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْض طَيِّبَة طَهُورًا وَمَسْجِدًا فَأَيّمَا رَجُل أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاة صَلَّى حَيْثُ كَانَ وَنُصِرْت بِالرُّعْبِ بَيْن يَدَيْ مَسِيرَة شَهْر وَأُعْطِيت الشَّفَاعَة ] . قَالَ مُجَاهِد : الْأَحْمَر وَالْأَسْوَد : الْجِنّ وَالْإِنْس . وَفِي رِوَايَة مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة " وَبُعِثْت إِلَى الْخَلْق كَافَّة وَخُتِمَ بِي النَّبِيُّونَ " .

أَيْ بِالدَّاعِي , وَهُوَ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقِيلَ : " بِهِ " أَيْ بِاَللَّهِ , لِقَوْلِهِ : " يَغْفِر لَكُمْ مِنْ ذُنُوبكُمْ " . قَالَ اِبْن عَبَّاس : فَاسْتَجَابَ لَهُمْ مِنْ قَوْمهمْ سَبْعُونَ رَجُلًا , فَرَجَعُوا إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَافَقُوهُ بِالْبَطْحَاءِ , فَقَرَأَ عَلَيْهِمْ الْقُرْآن وَأَمَرَهُمْ وَنَهَاهُمْ .

مَسْأَلَة : هَذِهِ الْآي تَدُلّ عَلَى أَنَّ الْجِنّ كَالْإِنْسِ فِي الْأَمْر وَالنَّهْي وَالثَّوَاب وَالْعِقَاب . وَقَالَ الْحَسَن : لَيْسَ لِمُؤْمِنِي الْجِنّ ثَوَاب غَيْر نَجَاتهمْ مِنْ النَّار , يَدُلّ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى : " يَغْفِر لَكُمْ مِنْ ذُنُوبكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَاب أَلِيم " . وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَة قَالَ : لَيْسَ ثَوَاب الْجِنّ إِلَّا أَنْ يُجَارُوا مِنْ النَّار , ثُمَّ يُقَال لَهُمْ : كُونُوا تُرَابًا مِثْل الْبَهَائِم . وَقَالَ آخَرُونَ : إِنَّهُمْ كَمَا يُعَاقَبُونَ فِي الْإِسَاءَة يُجَازَوْنَ فِي الْإِحْسَان مِثْل الْإِنْس . وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَابْن أَبِي لَيْلَى . وَقَدْ قَالَ الضَّحَّاك : الْجِنّ يَدْخُلُونَ الْجَنَّة وَيَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ . قَالَ الْقُشَيْرِيّ : وَالصَّحِيح أَنَّ هَذَا مِمَّا لَمْ يُقْطَع فِيهِ بِشَيْءٍ , وَالْعِلْم عِنْد اللَّه .

قُلْت : قَوْله تَعَالَى : " وَلِكُلٍّ دَرَجَات مِمَّا عَمِلُوا " [ الْأَنْعَام : 132 ] يَدُلّ عَلَى أَنَّهُمْ يُثَابُونَ وَيَدْخُلُونَ الْجَنَّة ; لِأَنَّهُ قَالَ فِي أَوَّل الْآيَة : " يَا مَعْشَر الْجِنّ وَالْإِنْس أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُل مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي " إِلَى أَنْ قَالَ " وَلِكُلٍّ دَرَجَات مِمَّا عَمِلُوا " [ الْأَنْعَام : 130 - 132 ] . وَاَللَّه أَعْلَم , وَسَيَأْتِي لِهَذَا فِي سُورَة " الرَّحْمَن " مَزِيد بَيَان إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى .
يا قومنا أجيبوا رسول الله محمدا إلى ما يدعوكم إليه, وصدقوه فيما جاءكم به, يغفر الله لكم من ذنوبكم وينقذكم من عذاب مؤلم موجع.
يا قومنا أجيبوا رسول الله محمدًا إلى ما يدعوكم إليه، وصدِّقوه واعملوا بما جاءكم به، يغفر الله لكم من ذنوبكم وينقذكم من عذاب مؤلم موجع.
"يَا قَوْمنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّه" مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى الْإِيمَان "وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِر" اللَّه "لَكُمْ مِنْ ذُنُوبكُمْ" أَيْ بَعْضهَا لِأَنَّ مِنْهَا الْمَظَالِم وَلَا تُغْفَر إلَّا بِرِضَا أَصْحَابهَا "وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَاب أَلِيم" مُؤْلِم
" يَا قَوْمنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّه " فِيهِ دَلَالَة عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى أَرْسَلَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الثَّقَلَيْنِ الْجِنّ وَالْإِنْس حَيْثُ دَعَاهُمْ إِلَى اللَّه تَعَالَى وَقَرَأَ عَلَيْهِمْ السُّورَة الَّتِي فِيهَا خِطَاب الْفَرِيقَيْنِ وَتَكْلِيفهمْ وَوَعْدهمْ وَوَعِيدهمْ وَهِيَ سُورَة الرَّحْمَن وَلِهَذَا قَالَ " أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّه وَآمِنُوا بِهِ " وَقَوْله تَعَالَى " يَغْفِر لَكُمْ مِنْ ذُنُوبكُمْ" قِيلَ إِنَّ مِنْ هَهُنَا زَائِدَةٌ وَفِيهِ نَظَر ; لِأَنَّ زِيَادَتهَا فِي الْإِثْبَات قَلِيل وَقِيلَ : إِنَّهَا عَلَى بَابهَا لِلتَّبْغِيضِ" وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَاب أَلِيم " أَيْ وَيَقِيكُمْ مِنْ عَذَابه الْأَلِيم . وَقَدْ اِسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الْآيَة مَنْ ذَهَبَ مِنْ الْعُلَمَاء إِلَى أَنَّ الْجِنّ الْمُؤْمِنِينَ لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّة , وَإِنَّمَا جَزَاء صَالِحِيهِمْ أَنْ يُجَارُوا مِنْ عَذَاب النَّار يَوْم الْقِيَامَة وَلِهَذَا قَالُوا هَذَا فِي هَذَا الْمَقَام وَهُوَ مَقَام تَبَجُّح وَمُبَالَغَة فَلَوْ كَانَ لَهُمْ جَزَاء عَلَى الْإِيمَان أَعْلَى مِنْ هَذَا لَأَوْشَكَ أَنْ يَذْكُرُوهُ . وَقَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ حُدِّثْت عَنْ جَرِير عَنْ لَيْث عَنْ مُجَاهِد عَنْ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا قَالَ : لَا يَدْخُل مُؤْمِنُو الْجِنِّ الْجَنَّة لِأَنَّهُمْ مِنْ ذُرِّيَّة إِبْلِيس وَلَا تَدْخُل ذُرِّيَّة إِبْلِيس الْجَنَّة وَالْحَقّ أَنَّ مُؤْمِنِيهِمْ كَمُؤْمِنِي الْإِنْسِ يَدْخُلُونَ الْجَنَّة كَمَا هُوَ مَذْهَب جَمَاعَة مِنْ السَّلَف وَقَدْ اِسْتَدَلَّ بَعْضهمْ لِهَذَا بِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ " لَمْ يَطْمِثهُنَّ إِنْس قَبْلهمْ وَلَا جَانّ " وَفِي هَذَا الِاسْتِدْلَال نَظَر وَأَحْسَنُ مِنْهُ قَوْله جَلَّ وَعَلَا " وَلِمَنْ خَافَ مَقَام رَبِّهِ جَنَّتَانِ فَبِأَيِّ آلَاء رَبّكُمَا تُكَذِّبَانِ " فَقَدْ اِمْتَنَّ تَعَالَى عَلَى الثَّقَلَيْنِ بِأَنْ جَعَلَ جَزَاء مُحْسِنهمْ الْجَنَّة وَقَدْ قَابَلَتْ الْجِنّ هَذِهِ الْآيَة بِالشُّكْرِ الْقَوْلِيّ أَبْلَغ مِنْ الْإِنْس فَقَالُوا وَلَا بِشَيْءٍ مِنْ آلَائِك رَبّنَا نُكَذِّب فَلَك الْحَمْد فَلَمْ يَكُنْ تَعَالَى لِيَمْتَنَّ عَلَيْهِمْ بِجَزَاءٍ لَا يَحْصُل لَهُمْ وَأَيْضًا فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ يُجَازِي كَافِرهمْ بِالنَّارِ وَهُوَ مَقَام عَدْل فَلَأَنْ يُجَازِيَ مُؤْمِنَهُمْ بِالْجَنَّةِ وَهُوَ مَقَام فَضْل بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى . وَمِمَّا يَدُلّ أَيْضًا عَلَى ذَلِكَ عُمُوم قَوْله تَعَالَى " إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات كَانَتْ لَهُمْ جَنَّات الْفِرْدَوْس نُزُلًا" وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْآيَات . وَقَدْ أُفْرِدَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي جُزْء عَلَى حِدَة وَلِلَّهِ الْحَمْد وَالْمِنَّة وَهَذِهِ الْجَنَّة لَا يَزَال فِيهَا فَضْل حَتَّى يُنْشِئ اللَّه تَعَالَى لَهَا خَلْقًا أَفَلَا يَسْكُنهَا مَنْ آمَنَ بِهِ وَعَمِلَ لَهُ صَالِحًا وَمَا ذَكَرُوهُ هَهُنَا عَلَى الْإِيمَان مِنْ تَكْفِير الذُّنُوب وَالْإِجَارَة مِنْ الْعَذَاب الْأَلِيم هُوَ يَسْتَلْزِم دُخُول الْجَنَّة لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْآخِرَة إِلَّا الْجَنَّة أَوْ النَّار فَمَنْ أُجِيرَ مِنْ النَّار دَخَلَ الْجَنَّة لَا مَحَالَة وَلَمْ يَرِد مَعَنَا نَصٌّ صَرِيح وَلَا ظَاهِر عَنْ الشَّارِع أَنَّ مُؤْمِنِي الْجِنّ لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّة وَإِنْ أُجِيرُوا مِنْ النَّار وَلَوْ صَحَّ لَقُلْنَا بِهِ وَاَللَّه أَعْلَمُ . وَهَذَا نُوحٌ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام يَقُول لِقَوْمِهِ" يَغْفِر لَكُمْ مِنْ ذُنُوبكُمْ وَيُؤَخِّركُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى" وَلَا خِلَاف أَنَّ مُؤْمِنِي قَوْمه فِي الْجَنَّة فَكَذَلِكَ هَؤُلَاءِ. . وَقَدْ حُكِيَ فِيهِمْ أَقْوَال غَرِيبَة فَعَنْ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّهُمْ لَا يَدْخُلُونَ بُحْبُوحَة الْجَنَّة وَإِنَّمَا يَكُونُونَ فِي رَبَضِهَا وَحَوْلهَا وَفِي أَرْجَائِهَا وَمِنْ النَّاس مَنْ زَعَمَ أَنَّهُمْ فِي الْجَنَّة يَرَاهُمْ بَنُو آدَم وَلَا يَرَوْنَ بَنِي آدَم بِعَكْسِ مَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي الدَّار الدُّنْيَا وَمِنْ النَّاس مَنْ قَالَ لَا يَأْكُلُونَ فِي الْجَنَّة وَلَا يَشْرَبُونَ وَإِنَّمَا يُلْهَمُونَ التَّسْبِيح وَالتَّحْمِيد وَالتَّقْدِيس عِوَضًا عَنْ الطَّعَام وَالشَّرَاب كَالْمَلَائِكَةِ لِأَنَّهُمْ مِنْ جِنْسهمْ وَكُلّ هَذِهِ الْأَقْوَال فِيهَا نَظَر وَلَا دَلِيل عَلَيْهَا .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { يَا قَوْمنَا أَجِيبُوا دَاعِي اللَّه } يَقُول تَعَالَى ذِكْره مُخْبِرًا عَنْ قِيل هَؤُلَاءِ النَّفَر مِنْ الْجِنّ { يَا قَوْمنَا } مِنْ الْجِنّ { أَجِيبُوا دَاعِي اللَّه } قَالُوا : أَجِيبُوا رَسُول اللَّه مُحَمَّدًا إِلَى مَا يَدْعُوكُمْ إِلَيْهِ مِنْ طَاعَة اللَّه .

يَقُول : وَصَدَّقُوهُ فِيمَا جَاءَكُمْ بِهِ وَقَوْمه مِنْ أَمْر اللَّه وَنَهْيه , وَغَيْر ذَلِكَ مِمَّا دَعَاكُمْ إِلَى التَّصْدِيق بِهِ .


يَقُول : يَتَغَمَّد لَكُمْ رَبّكُمْ مِنْ ذُنُوبكُمْ فَيَسْتُرهَا لَكُمْ وَلَا يَفْضَحكُمْ بِهَا فِي الْآخِرَة بِعُقُوبَتِهِ إِيَّاكُمْ عَلَيْهَا .


يَقُول : وَيُنْقِذكُمْ مِنْ عَذَاب مُوجِع إِذَا أَنْتُمْ تُبْتُمْ مِنْ ذُنُوبكُمْ , وَأَنَبْتُمْ مِنْ كُفْركُمْ إِلَى الْإِيمَان بِاَللَّهِ وَبِدَاعِيهِ .
مشاركة الموضوع