تفسير القرطبي

سورة الجاثية الآية ٢٧

وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يَوْمَئِذٍۢ يَخْسَرُ ٱلْمُبْطِلُونَ ﴿٢٧﴾
خَلْقًا وَمِلْكًا .

" يَوْم " الْأَوَّل مَنْصُوب ب " يَخْسَر " و " يَوْمئِذٍ " تَكْرِير لِلتَّأْكِيدِ أَوْ بَدَل . وَقِيلَ : إِنَّ التَّقْدِير وَلَهُ الْمُلْك يَوْم تَقُوم السَّاعَة . وَالْعَامِل فِي " يَوْمئِذٍ " " يَخْسَر " , وَمَفْعُول " يَخْسَر " مَحْذُوف , وَالْمَعْنَى يَخْسَرُونَ مَنَازِلهمْ فِي الْجَنَّة .
ولله سبحانه سلطان السموات السبع والأرض خلقا وملكا وعبودية.
ويوم تجيء الساعة التي يبعث فيها الموتى من قبورهم ويحاسبون, يخسر الكافرون بالله الجاحدين بما أنزله على رسوله من الآيات البينات والدلائل الواضحات.
ولله سبحانه سلطان السموات السبع والأرض خَلْقًا ومُلْكًا وعبودية. ويوم تجيء الساعة التي يبعث فيها الموتى من قبورهم ويحاسبون، يخسر الكافرون بالله الجاحدون بما أنزله على رسوله من الآيات البينات والدلائل الواضحات.
"وَلِلَّهِ مُلْك السَّمَوَات وَالْأَرْض وَيَوْم تَقُوم السَّاعَة" يُبْدَل مِنْهُ "يَوْمئِذٍ يَخْسَر الْمُبْطِلُونَ" الْكَافِرُونَ أَيْ يَظْهَر خُسْرَانهمْ بِأَنْ يَصِيرُوا إلَى النَّار
يُخْبِر تَعَالَى أَنَّهُ مَالِك السَّمَوَات وَالْأَرْض وَالْحَاكِم فِيهِمَا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَلِهَذَا قَالَ عَزَّ وَجَلَّ وَيَوْم تَقُوم السَّاعَة أَيْ يَوْم الْقِيَامَة يَخْسَر الْمُبْطِلُونَ وَهُمْ الْكَافِرُونَ بِاَللَّهِ الْجَاحِدُونَ بِمَا أَنْزَلَهُ عَلَى رُسُله مِنْ الْآيَات الْبَيِّنَات وَالدَّلَائِل الْوَاضِحَات . وَقَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم قَدِمَ سُفْيَان الثَّوْرِيّ الْمَدِينَة فَسَمِعَ الْمَعَافِرِيّ يَتَكَلَّم بِبَعْضِ مَا يَضْحَك بِهِ النَّاس فَقَالَ لَهُ يَا شَيْخ أَمَا عَلِمْت أَنَّ لِلَّهِ تَعَالَى يَوْمًا يَخْسَر فِيهِ الْمُبْطِلُونَ ؟ قَالَ فَمَا زَالَتْ تُعْرَف فِي الْمَعَافِرِيّ حَتَّى لَحِقَ بِاَللَّهِ تَعَالَى.
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلِلَّهِ مُلْك السَّمَوَات وَالْأَرْض } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَلِلَّهِ سُلْطَان السَّمَوَات السَّبْع وَالْأَرْض , دُون مَا تَدْعُونَهُ لَهُ شَرِيكًا , وَتَعْبُدُونَهُ مِنْ دُونه , وَالَّذِي تَدْعُونَهُ مِنْ دُونه مِنَ الْآلِهَة وَالْأَنْدَاد فِي مُلْكه وَسُلْطَانه , جَارٍ عَلَيْهِ حُكْمه , فَكَيْفَ يَكُون مَا كَانَ كَذَلِكَ لَهُ شَرِيكًا , أَمْ كَيْفَ تَعْبُدُونَهُ , وَتَتْرُكُونَ عِبَادَة مَالِككُمْ , وَمَالك مَا تَعْبُدُونَهُ مِنْ دُونه .

{ وَيَوْم تَقُوم السَّاعَة } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَيَوْم تَجِيء السَّاعَة الَّتِي يَنْشُر اللَّه فِيهَا الْمَوْتَى مِنْ قُبُورهمْ , وَيَجْمَعهُمْ لِمَوْقِفِ الْعَرْض .

{ يَخْسَر الْمُبْطِلُونَ } : يَقُول : يُغْبَن فِيهَا الَّذِينَ أَبْطَلُوا فِي الدُّنْيَا فِي أَقْوَالهمْ وَدَعْوَاهُمْ لِلَّهِ شَرِيكًا , وَعِبَادَتهمْ آلِهَة دُونه بِأَنْ يَفُوز بِمَنَازِلِهِ مِنَ الْجَنَّة الْمُحِقُّونَ , وَيُبَدَّلُوا بِهَا مَنَازِل مِنَ النَّار كَانَتْ لِلْمُحِقِّينَ , فَجُعِلَتْ لَهُمْ بِمَنَازِلِهِمْ مِنَ الْجَنَّة , ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَان الْمُبِين .
مشاركة الموضوع